التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦٢٢
فإذا هو ليس بشعر، و إنّ له لحلاوة، و إنّ أعلاه لمثمر، و إنّ أسفله لمعذق[١]، و إنّه ليعلو و ما يعلى[٢].
و بلغنا أنّ أعرابيّا صلّى خلف ابن مسعود[٣] رضي اللّه عنه فتعتع في قراءته، فقال الأعرابيّ: ارتبك الشيخ، فلمّا قضى ابن مسعود صلاته قال:
يا أعرابي إنّه و اللّه ما هو من نسجك و لا من نسج آبائك، و لكنّه عزيز من عند عزيز نزل، و هو الحمّال ذو الوجوه، و البحر الذي لا تنقضي عجائبه. قال اللّه لموسى عليه السّلام: إنّما مثل كتاب محمّد في الكتب كمثل سقاء فيه لبن كلّما مخضته استخرجت زبده.
فحينما عجزوا عن المماتنة[٤] فزعوا إلى المفاتنة، و لمّا لم يقدروا على المقابلة أقبلوا على المقاتلة، فكان فزعهم إلى شيء، ليس من المتحدّى فيه في شيء، دليلا قاطعا على تمام المعجزة، و شاهد صدق لصحة النبوّة بظهور المعجزة، على أنّ عداوة المتحدّي هي العجز بعينه، و التقصير بذاته، لأنّ كل ذي منقبة إذا توقّل[٥] في مرتبة قد عجز عنها مدّعوها، و لم يقدروا أن يطلعوها، كان نتيجة
[١] أي: له شعب و جذور، و في بعض المصادر: لمغدق، و هو من الغدق أي: الماء الكثير، و في بعضها الآخر: لعذق، و العذق: النخلة، و هو استعارة من النخلة التي ثبت أصلها.
[٢] ورد باختلاف في لفظه في« دلائل النبوة ٢: ١٩٨، تاريخ الإسلام: ١٥٥، السيرة النبوية ١: ٢٨٩، الوفا بأحوال المصطفى: ٥٥» و أخرجه الحاكم النيسابوري في مستدركه ٢: ٥٠٦، عن ابن عباس، و قال: هذا حديث صحيح الاسناد على شرط البخاري، و لم يخرجاه.
[٣] عبد اللّه بن مسعود بن غافل بن حبيب الهذلي، أبو عبد الرحمن، من صحابة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله السابقين إلى الإسلام، و وليّ بعد وفاة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بيت مال الكوفة، ثمّ قدم المدينة في خلافة عثمان، فتوفي فيها عن نحو ستين عاما في سنة ٣٢ ه. انظر« الإصابة في تمييز الصحابة ٢: ٣٦٨/ ٤٩٥٤، تهذيب التهذيب ٦: ٢٤/ ٤٣، معجم رجال الحديث ١٠: ٣٢٢/ ٧١٦٠، الأعلام ٤: ١٣٧».
[٤] المماتنة: المعارضة في جدل أو خصومة.
[٥] التوقل: الإسراع في الصعود.