التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٧٠ - النظر الرابع
وَ الْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَ الْأَنْعامِ وَ الْحَرْثِ[١] فانظر إلى عجائب هذه الآية و لطافة معناها في تقديم بعضها على بعض، فلمّا كانت الآية مسوقة من أجل تزيين المشتهيات في أفئدة بني آدم و استيلائها عليها قدّم ما هو الأدخل في ذلك، فصدّرها بذكر النساء، تنبيها على أن لا مشتهى يغلب على العقول مثلهنّ لما يغلب على القلوب من توقان النفوس إليهنّ و عن هذا قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: ما رأيت أغلب لذوي العقول من النساء. و عن إبليس: ما نصبت فخا أثبت في نفسي من فخ أنصبه بامرأة و في هذا دلالة على استيلائهنّ على العقول، لأنّهن أدخل في المشتهيات.
ثم عقّبه بذكر البنين لما كانوا ممّا يلي النساء في الرقّة و الرحمة و الشفقة و الحنوّ، مع المشاكلة في الخلقة و الصورة.
ثم أردف ذلك بالأموال الذهبية و الفضّية، لما يحصل فيها من اللذّة و السرور و الاطمئنان و انشراح الصدور بها و الاستطالة و القوّة، كما يحصل بالأبناء، لكن الأولاد أدخل فرحا و أشدّ محبّة، و أكثر بهم رحمة و رأفة.
و قوله: الْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مبالغة في وصفها، كما قالوا: إبل مؤبّلة، و ظلف ظالف، أي شديد.
ثم عقّب ذلك بذكر الخيل، لما يحصل بها من الجمال و الهيئة الحسنة و القوّة و الاستطالة على الأعداء بالقهر.
و أردفها بذكر الأنعام لما يحصل بها من المنافع، و هي دون منافع الخيل.
و أتبعها بذكر الحرث، و ختم هذه المنافع بذكره، لأنّ كل واحد من هذه الأشياء على مرتبة في السبق على قدر حالها في الجمال و المنفعة، و قد أشار اللّه تعالى إلى ترتيبها كما سردها، تنبيها على أن ما تقدّم منها فهو أحقّ من غيره،
[١] آل عمران: ١٤.