التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٦٨ - النظر الرابع
عن أن يكون دعاء عليه في ظاهر الأمر كما ترى، و كما يرد في المفرد، فقد يرد في الجمل، فهذان ضربان، نذكر ما يتعلّق بكل واحد منهما بمعونة اللّه تعالى.
(الأول) في بيان عطف المفردات بعضها على بعض بالواو، و نذكر فيه من التنزيل آيتين.
الآية الاولى: قوله تعالى في سورة الغاشية: أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ. وَ إِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ. وَ إِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ. وَ إِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ[١]، فعطف بعض هذه المفردات على بعض، و لا بدّ هناك من رعاية الملائمة و المناسبة في تقديم بعضها على بعض لئلّا يخلو التنزيل عن أسرار معنوية و دقائق خفية، يتفطّن لها أهل البراعة، و يقصر عن إدراكها من لا حظوة له في معرفة هذه الصناعة، فلا بدّ من أن يكون لتقديم المعطوف عليه على المعطوف وجه يسوّغه، و إلّا كان لغوا، و لهذا ضعف: زيد قائم و عمرو باع داره، إذ لا علقة بين هاتين الجملتين تكون سببا لعطف إحداهما على الاخرى، و لهذا عيب على أبي تمام قوله:
|
لا و الّذي هو عالم أنّ النّوى |
صبر و أنّ أبا الحسين كريم |
|
إذ لا مناسبة بين مرارة النوى، و كرم أبي الحسين.
فأمّا الآية فلنشر إلى الأسرار التي لأجلها قدّم بعضها على بعض، فأمّا تقديم الإبل، فإنما كان ذلك من أجل أنّ الخطاب للعرب من أهل البلاغة، فمن أجل ذلك كان الاستجلاء على حسب ما يألفونه، و ذلك أنّ العرب أكثر تعويلهم في معظم تصرّفاتهم على المواشي في المطاعم و الملابس و المشارب و المراكب، و أعمّها نفعا هي الإبل، لأنّ أكثر المنافع هذه لا تصلح إلّا فيها على العموم، مع
[١] الغاشية: ١٧- ٢٠.