التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٦٧ - النظر الرابع
إنّما ورد على جهة الاتّصال من غير واو، تقريرا لما سبق من الجملة الاولى من عدم السماع، و إيضاحا لها.
و خامسها: أن تكون الجملة الثانية واردة على إرادة قطع الوهم على ما قبلها من الجمل السابقة، و مثاله قوله تعالى: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ[١] فإنّما وردت من غير واو، دلالة على أنّ عطفها على ما تقدّم من الجملة السابقة متعذّر، فلهذا وردت من غير واو، رفعا لهذا التوهّم و قطعا له، و يجوز أن تكون واردة على جهة الاستئناف، تنبيها على البلاغة بمطابقة محزّها و مفصلها، و إعلاما من اللّه تعالى بأنهم من أجل خداعهم و مكرهم مستحقّون من اللّه تعالى غاية الخزي و النكال، و تسجيلا عليهم بأنّ اللّه تعالى هو المتولّي لذلك دون سائر المؤمنين، و نبّه بالفعل المضارع في قوله: «يستهزئ» بحدوث الاستهزاء و تجدّده.
فأمّا قوله تعالى: إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ[٢] فإنما أتى من غير واو، لاندراجه على جهة البيان تحت قولهم: إِنَّا مَعَكُمْ[٣] أي إنّا معكم على الموافقة على ذنبكم في التكذيب و الجحود غير مفارقين لكم مستمرّين على اليهودية، و كوننا معهم ليس على جهة التصديق، إنما كان على جهة الاستهزاء و السخرية بما هم عليه من الإيمان، فبهذا يكون ورود الفصل في كتاب اللّه تعالى.
و للّه درّ لطائف التنزيل، لقد أطلعت طلّابها على مطالع أنوارها، و أوضحت لهم المنار، فاستضاءوا بضوء شموسه و أنوار أقمارها.
و أمّا الوصل فهو عطف الجملة على الجملة، و المفرد على مثله. بجامع ما، و هو قد يرد لرفع الإيهام كقولك: لا، و أيّدك اللّه، فالواو هاهنا جاءت لرفع الوهم
[١] البقرة: ١٥.
[٢] البقرة: ١٤.
[٣] البقرة: ١٤.