التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٢٩ - المرتبة الاولى في المزايا الراجعة إلى ألفاظه
من جملة المحاسن المعدودة في فصاحة الكلام و بلاغته، و لا بدّ فيه من مراعاة أمرين:
أمّا (أوّلا) فأن تكون كل كلمة منظومة مع ما يشاكلها و يماثلها، كما يكون في نظام العقد، فإنه إنما يحسن إذا كان كل خرزة مؤتلفة مع ما يكون مشاكلا لها، لأنه اذا حصل على هذه الهيئة كان به وقع في النفوس و حسن منظر في رأي العين.
و أمّا (ثانيا) فإذا كانت مؤتلفة فلا بدّ أن يقصد ما وضع لها بعد إحراز تركيبها، و المثال الكاشف عمّا ذكرناه، العقد المنظوم من اللئالئ و نفائس الأحجار، فإنه لا يحسن إلّا إذا الّف تأليفا بديعا بحيث يجعل كلّ شيء من تلك الأحجار مع ما يلائمه، ثمّ إذا حصل ذلك التركيب على الوجه الذي ذكرناه فلا بدّ من مطابقته لما وضع له، بأن يجعل الإكليل على الرأس، و الطوق في العنق، و الشنف في الاذن، و لو ألّف غير ذلك التأليف فلم يجعل كلّ شيء في موضعه، بطل ذلك الحسن، و زال ذلك الرونق، فلو جعل الإكليل في موضع الخلخال من الرّجل لم يكن حسنا لعدم المطابقة لوضعه، و هكذا لو جعل الطوق على الاذن لم يحصل المقصود به، و هكذا حال الكلام إذا كان مؤلّفا تأليفا بديعا و لم يقصد به مطابقة الغرض المطلوب لم يكن معدودا في البلاغة و لا كان فصيحا.
و كلام اللّه تعالى قد أحسن تأليفه كما ترى في ألفاظه، فإنها معجبة رائقة في تأليفها، ثمّ إنها قد قصد في حقّها مطابقة الأغراض المقصودة، بحيث لا تخالف ما قصدت به.
فهذا ما أردنا ذكره من إحراز القرآن لهذه اللطائف الراجعة إلى الألفاظ بتمامها و كمالها. و لنورد مثالا من القرآن العظيم جامعا لما ذكرناه من الأوجه الأربعة و هو قوله تعالى: وَ قِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَ يا سَماءُ أَقْلِعِي وَ غِيضَ