التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٣٠ - المرتبة الاولى في المزايا الراجعة إلى ألفاظه
الْماءُ وَ قُضِيَ الْأَمْرُ وَ اسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِ[١].
فانظر إلى مفردات أحرف هذه الآية، ما أسلسها و أرقّها و ألطفها، ثمّ في تأليفها ما أسهله على اللسان، ثمّ انظر إلى مفردات ألفاظه ما أعذبها و أجراها على الألسنة من غير صعوبة و لا عسرة، ثمّ انظر إلى تأليف مفرداتها كيف طابقت الغرض المقصود منها، و سيقت على أتمّ سياق و أعجبه، فلمّا كان من أمر الطوفان ما كان من تطبيقه للأرض ذات الطول و العرض، و إذن اللّه بإهلاك قوم نوح به، و اقتضت الحكمة الإلهية إخراجه و من معه من الفلك إلى الأرض.
ابتدأ بقوله «قيل» إبهاما للقائل و إعظاما لأمره، حيث بني لما لم يسمّ فاعله، تهويلا للأمر و إعظاما لحاله، و لم يقل: قال اللّه ثم نادى الأرض بالابتلاع للماء، فيحتمل أن يكون هناك خطاب كما هو ظاهر، و يحتمل أن لا يكون هناك خطاب كما في قوله تعالى: كُنْ فَيَكُونُ[٢] ليس الغرض أنه لا بدّ في التكوين من قوله (كن) و لكن كنّى بذلك عن سرعة الإجابة عند الإرادة للفعل، بحصول الداعية إليه من غير أن يكون هناك خطاب، ثمّ أمر السماء بالإقلاع، جريا على ما ذكرناه في الأرض، ثمّ قال «و غيض الماء» تصديقا لقوله «ابلعي» و «أقلعي» لأنه مهما حصلا غاض الماء لا محالة لعدم ما يمدّه، ثمّ قال وَ قُضِيَ الْأَمْرُ إمّا في إهلاكهم و إمّا بحصول المرادات في الأرض بإخراجهم إليها، ثمّ قوله وَ اسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِ إخبار بالاستقرار للسفينة على هذا الجبل، و أنّ خروجهم منها كان إليه، و قوله بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ فيه إشارة إلى عظم الغضب و استحقاق العقوبة الأبدية.
فهذا تنبيه على أسرار الآية على جهة الإجمال و الإحاطة لمعانيها على جهة التفصيل ممّا لا تقدر عليه القوى البشرية، و لكنّا نرمز إلى ما يحضرنا من
[١] هود: ٤٤.
[٢] البقرة: ١١٧، آل عمران: ٤٧ و ٥٩، الأنعام: ٧٣، النحل: ٤٠، مريم: ٣٥، يس: ٨٢، غافر: ٦٨.