التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٠٥ - الاستدلال في القرآن مزيج اسلوبين الخطابة و البرهان إمتاع العقل و النفس معا
فقد جيء بأحد لفظي التشبيه ركنا في الدّعوى، و بالآخر دعامة لها و برهانا عليها. و هذا من جميل الكلام و بديع البيان، و من الوجيز الوافي.
٣- و قال تعالى- بصدد بيان لا نهائية فيوضه عزّت آلاؤه-: وَ لَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَ الْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ[١].
هذه مقارنة بين المحدود و اللامحدود، و أنّ المحدود مهما بلغ عدده و تضخم حجمه فإنّه لا يقاس بغير المحدود، إذ ذاك ينتهي و هذا لا ينتهي، و لا مناسبة بين ما ينتهي إلى أمد مهما طال أو قصر، و ما يمتدّ إلى ما لا نهاية أبدا.
و الكلمة- في هذه الآية- يراد بها الوجود المفاض بأمره تعالى، المتحقّق بقوله: (كن).
قال تعالى: إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ[٢].
و كلّ موجود- في عالم الخلق، و هو ما سوى اللّه- فهو كلمته تعالى. كما أطلق على المسيح (عليه السّلام) كلمة اللّه: وَ كَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ[٣][٤].
و المعنى: أنّه لو جعلت الأشجار أقلاما و الأبحر مدادا- ليكتب بها كلمات اللّه- لنفدت الأقلام و المداد قبل أن تنفد كلمات اللّه، لأنّها غير متناهية ...
و ذلك لأنّ كلماته تعالى إفاضات، و لا ينتهي فيضه تعالى إلى أمد محدود أبدا.
٤- و قال تعالى- ردّا على احتجاج اليهود-:
[١] لقمان: ٢٧.
[٢] يس: ٨٢.
[٣] النساء: ١٧١.
[٤] الميزان: ج ١٦ ص ٢٤٥.