التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٨٦ - التتميم
الإيثار المقصود من الكلام. أي مع حاجتهم إليه آثروا غيرهم على انفسهم. فهو تتميم أفاد المبالغة المقبولة، فلو طرح لنقص المعنى و اختلّ حسن التركيب.
و كذا لو عاد الضمير في «على حبّه» على اللّه. أي أطعموهم لرضائه تعالى، فهو آكد للدلالة على الإخلاص في هذا الإيثار. و على أيّ تقدير فلا يخلو موقع هذه الكلمة من الظرافة و الحسن البديع[١] و من أروع أنحاء التتميم و أفخمه قدرا أن تجتمع أنواعه في كلام واحد، و هي كما أشرنا: تتميم نقص أحسّ به المتكلّم، أو مبالغة في إيفاء مراده، أو احتياط و احتراس عن الشكوك و الاعتراضات الواردة.
و قد اجتمعت الثلاثة في قوله تعالى: أَ يَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَ أَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَ أَصابَهُ الْكِبَرُ وَ لَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ[٢].
هذه الآية فيها محاولة لإبراز حالة الأسف المرير لمن فقد شيئا كان ثمن حياته، في وقت لا يمكنه تداركه، و يخاف سوء المصير.
قال ابن أبي الاصبع: جاءت في هذه الآية ثمانية مواضع، في كل موضع منها تتميم. و أتت على جميع أقسام التتميم الثلاثة:
فأولها قوله- في تفسير الجنّة-: مِنْ نَخِيلٍ وَ أَعْنابٍ لاحتمال أن تكون جنّة ذات أثل و خمط[٣]. فإنّ لفظ الجنّة يصدق على كل شجر ملتفّ يستر الأرض بظلّ أغصانه، كائنا ما كان. و من الشجر ما له نفع عظيم عميم كالنخيل و الأعناب، و ما له نفع قليل كالأثل و الخمط. و مع هذا فلو احترقت
[١] أنوار الربيع: ج ٣ ص ٥٢.
[٢] البقرة: ٢٦٦.
[٣] الأثل نوع من الطرفاء. و الخمط نبت له مرارة. و كلاهما من الأشواك المرّة.