التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٨٥ - التتميم
مبالغة و إمّا احتياطا و احتراسا من التقصير[١]. و فسّره بعضهم بأن يكون المتكلّم آخذا في معنى، فيعترضه شكّ في إيفاء كلامه، أو احتمال رادّ سوف يردّ عليه، أو إثارة سؤال يحاول الإجابة عليه فرضا و تقديرا في الكلام. فيلتفت قبل فراغه من التعبير عن ذلك المعنى، فيبادر إلى إزالة كل شبهة محتملة، و حلّ كل مشكلة معترضة، و الإجابة على أيّ سؤال سوف يثيره الكلام[٢] ليكون كلامه وافيا شافيا و مؤدّيا تمام الغرض و كمال المراد. و هذا من ظرف البديع و كمال البلاغة في الكلام.
و قد جاء في القرآن على أحسنه و أفضله، منها قوله تعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا[٣]. فإنّ السري لا يكون إلّا بالليل، فذكره يغني عن قوله:
«ليلا» لو لا إرادة تتميم الفائدة للدلالة على تقليل المدة، بمعنى أنّ السري وقع في بعض الليل، يدلّ عليه التنكير.
قال الزمخشري: فإن قلت: الإسراء لا يكون إلّا بالليل فما معنى ذكر الليل؟
قلت: أراد بقوله: «ليلا» بلفظ التنكير، تقليل مدة الإسراء، و إنه أسرى به في بعض الليل من مكّة إلى الشام- مسيرة أربعين ليلة- و ذلك أن التنكير فيه قد دلّ على معنى البعضية[٤].
و قوله تعالى: وَ مَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْماً وَ لا هَضْماً[٥]. فقوله: «و هو مؤمن» تتميم في غاية الحسن، و أفاد الشرط الأول في قبول الطاعات، فلو حذفت هذه الجملة لاختلّ المعنى.
و قوله تعالى: وَ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً[٦].
و الشاهد في قوله: «على حبّه» إن عاد الضمير على الطعام، فيزيد تأكيدا لمعنى
[١] العمدة: ج ٢ ص ٥٠.
[٢] و هذا بمعنى الاستدراك أشبه.
[٣] الإسراء: ١.
[٤] الكشاف: ج ٢ ص ٢٤٦.
[٥] طه: ١١٢.
[٦] الإنسان: ٨.