التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٦٤ - نكت و ظرف
أمّا الجاثية- و إن كان مآل المعنى إلى ذلك أيضا- فإنّ المناسبة في مثل هذا التعبير كان لأجل سبقها بقوله: قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ[١] فناسب الحديث عن القيامة.
و قوله تعالى في سورة المائدة: وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ كرّرها ثلاث مرات[٢]، و ختم الاولى بقوله: فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ و الثانية: هُمُ الظَّالِمُونَ و الثالثة: هُمُ الْفاسِقُونَ.
أمّا الآية الاولى فموردها أصول العقيدة و دلائل التوحيد، و الاهتداء إلى الدين القيّم، و طريقة الأنبياء المستقيمة، فمن خالفها و أخذ طريقا غيرها فقد كفر بآيات اللّه و دلائل بيّناته: إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَ نُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَ الرَّبَّانِيُّونَ وَ الْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَ كانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَ اخْشَوْنِ وَ لا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ- أي لم يسر على هدى دينه، و نبذ دلائل آياته وراء ظهره- فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ.
و الآية الثانية كان موردها القضاء بالحق وَ أَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَ لا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ[٣]. إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ[٤].
قال تعالى: وَ كَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَ الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَ الْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَ الْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَ السِّنَّ بِالسِّنِّ وَ الْجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ
[١] الجاثية: ١٤.
[٢] المائدة: ٤٤ و ٤٥ و ٤٧.
[٣] المائدة: ٤٩.
[٤] النساء: ١٠٥.