التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٦٠ - فواصل خفي وجه تناسبها
قالُوا يا شُعَيْبُ أَ صَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ[١] و ربما خفي وجه مناسبة وصف نبيّهم بالحلم و الرشد- و هي الكياسة و وفور العقل- مع استنكارهم عليه: كيف تمنعهم صلاته و دعاؤه من اتّباع سيرة آبائهم، و أن يتصرّفوا في أموالهم ما يشاءون؟! فلا تتناسب- ظاهرا- هذه الخاتمة مع مقصودهم في ذلك المقال الاستنكاري! لكن المشكلة تنحلّ إذا ما عرفنا أنّ مقالهم ذاك إنما قالوه على وجه السخرية و الهزء. قال الزمخشري: و أرادوا بقولهم: إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ نسبته إلى غاية السفه و العيّ فعكسوا ليتهكّموا به، كما يتهكّم بالشحيح الذي لا يبضّ حجره[٢]. فيقال له: لو أبصرك حاتم لسجد لك! و قيل: معناه إنك للمتواصف في قومك بالحلم و الرشد، يعنون: أنّ ما تأمر به لا يطابق حالك و ما شهرت به[٣].
الحلم: التؤدة و الاناة، ضدّ الطيش. و الرشد: البصيرة في تدبير المعاش و القدرة على التصرّف في الأموال وفق الاصول. فالمعنى: إن كنت ذا حلم فكيف تمنعنا عن السير على منهج الآباء، و هو مقتضى العقل أن لا يعدل الانسان عمّا جرّبته الأسلاف؟! و إن كنت رشيدا في عقلك فكيف تمنعنا عن التصرّف في أموالنا حسب إرادتنا، و الناس مسلّطون على أموالهم، يتصرّفون فيها ما يشاءون، و هي قاعدة عقلائية توافقت عليها العقلاء؟! و قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ[٤]
[١] هود: ٨٧.
[٢] يقال في المثل: ما يبضّ حجره أي ما تندّى، من بضّ الماء بضيضا: اذا سال.
[٣] الكشاف: ج ٢ ص ٤٢٠.
[٤] البقرة: ٢٩.