التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢١٩ - خاتمة
و الشيء الذي سمّوه بالاستحسان- الذي لم يقدر أحد منهم إلى زماننا هذا على شرح اسمه كمحرّمي الغناء بالمعنى اللغويّ العاجزين عن شرح اسم الصوت الحسن كما عرفت، و قالوا إن الاستحسان للطافة معناه لا تحمله العبارة كما ذكره الأبهري في شرحه على المختصر العضدي و غيره في غيره، و لهذه الجهات تشتّت آراؤهم و اضطربت أهواؤهم حتى أنّ أبا حنيفة فسّر الفراش في
قوله (صلّى اللّه عليه و آله) «الولد للفراش و للعاهر الحجر»[١]
بالعقد الصحيح و حكم بإلحاق النسب بين أولاد الزوجة التي تلدها بعد العقد و الزوج و إن لم يكن قد دخل بها، و حكم بنفوذ حكم الحاكم ظاهرا و باطنا، فحكم بتحريم الزوجة على الزوج بمجرّد حكم الحاكم بثبوت التطليق بشهادة شاهدي زور و أمثالهما من الترهات و الجزافات و كثر الخلاف بين تلامذته- تحيّر[٢] الرشيد في أمر هؤلاء و التمس من الامام موسى بن جعفر (عليه السّلام) أن يكتب له كلاما موجزا له اصول و فروع،
فكتب (عليه السّلام): أنّ امور الأديان أمران:
أمر لا اختلاف فيه بين الامة و هو ضرورة في الدين لا يقبل الشك، و أمر يحتمل الشكّ و الإنكار، فمن ادّعى شيئا من هذا القسم فعليه أن يحتجّ عليه بكتاب مجمع على تأويله أو سنّة من النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لا اختلاف فيها أو قياس تعرف العقول عدله، و لا يسع من استوضح تلك الحجة ردّها و وجب عليه قبولها و الإقرار و الديانة بها، فمن ادّعى شيئا من هذا الأمر و لم يكن له شيء من هذه الحجج الثلاث، و لا يسع خاصّة الامّة و عامّتها الشكّ فيه و الإنكار له، و هذان الأمران من أمر التوحيد فما دونه و أرش الخدش فما فوقه، فهذا المعروض الذي يعرض عليه أمر الدين، فما ثبت لك برهانه اصطفيته و ما غمض عليه
[١] وسائل الشيعة: ج ١٥ ص ٦٠٤ باب ٩ من أبواب اللعان حديث ٣، مسند أحمد بن حنبل: ج ٦ ص ١٢٩، سنن أبي داود: ج ٢ كتاب الطلاق ح ٢٢٧٣.
[٢] جواب لقوله:« لما أصّل المخالفون في زمن ...»