مباني الفقه الفعال في القواعد الفقهية الأساسية - السيفي المازندراني، الشيخ علي أكبر - الصفحة ٢١١ - لو دار الأمر بين الوضوء و رفع العطش
لو دار الأمر بين القيام و الركوع و السجود
و منها: ما لو دار الأمر بين القيام و بين الركوع و السجود لم يتعذّر رفع رأسه عن الركوع و السجود لمرض أو مانع آخر. فمقتضى القاعدة حينئذٍ- كما قال في الجواهر- تقديم القيام لأنّه مقدّم على الركوع؛ نظراً إلى ترتّبهما عليه. فاذا تمكّن من القيام وجب عليه، و إذا وصل إلى الركوع و السجود و لم يتمكّن سقطا عنه، كما أفتى المشهور بذلك و عملوا بمقتضى القاعدة.
و لكن حكم في كشف اللثام بتقديم الركوع و السجود على القيام؛ نظراً إلى أهمّيتها و تبعه جماعة و قوّاه في الجواهر. و قد أجاد في الجواهر في تحرير ذلك؛ حيث قال:
«و لو دار أمره بين الركوع و السجود جالساً و بين القيام خاصة لتعذّر الجلوس عليه بعده للسجود أو للركوع و الانحناء قائماً قام و أو ما بهما كما صرح به بعضهم، بل يظهر من آخر أنّه المشهور بل المتفق عليه، بل في الرياض عن جماعة دعوى الانفاق عليه، لاشتراط الجلوس بتعذر القيام في النصوص و لأنّ الخطاب بأجزاء الصلاة مرتب، فيراعى كل جزء حال الخطاب به بالنسبة إليه و بدله، ثمّ الجزء الثاني و هكذا إلى تمام الصلاة، و لما كان القيام أول أفعالها وجب الاتيان به مع القدرة عليه. فاذا جاء وقت الركوع و السجود خوطب بهما، فإن استطاع و إلّا فبدلهما.
و يحتمل كما مال إليه في كشف اللثام تقديم الجلوس و الاتيان بالركوع و السجود، بل قال: و كذا إذا تعارض القيام و السجود وحده، و لعله لأنّهما أهم من القيام، خصوصاً بعد أن ورد أن الصلاة ثلث طهور، و ثلث ركوع، و ثلث سجود و أن أول الصلاة الركوع و نحو ذلك. و لأنّ أجزاء الصلاة، و إن كانت مرتبة في الوقوع، إلّا أنّ الخطاب بالجميع واحد حاصل من الأمر بالصلاة. فمع فرض تعذر الاتيان بها كما هي اختياراً، وجب الانتقال إلى بدلها الاضطراري. و لما كان متعدداً؛ ضرورة كونه إما القيام وحده أو الجلوس مع استيفاء باقي الأفعال، وجب الترجيح بمرجح شرعي. و لعلَّ الأهمية و نحوها منه، و أنّها أولى بالمراعاة من السبق؛ لما عرفت- إلى أن قال-: و المسألة لا تخلوا من إشكال، و إن كان احتمال تقديم الجلوس قوياً»[١].
لو دار الأمر بين الوضوء و رفع العطش
و منها: من كان معه ماءٌ و دار أمره بين الوضوء به و بين رفع شربه لخوف العطش، فقد أفتى الفقهاء حينئذٍ سقوط الوضوء و جواز الاكتفاء بالتيمّم؛ مستدلّاً بهذه القاعدة.
كما علّل بها في الجواهر:
«لو كان معه ماءٌ للشرب و خاف العطش على نفسه أن استعمله في الحال أو المآل إجماعاً محصلًا و منقولًا عن علمائنا، بل و عن كل من يحفظ عنه العلم مستفيضاً و سنة بالخصوص كذلك فضلًا عن عمومها و عمومات الكتاب، و على رفيقة المسلم المحترم الدم، سيما إذا كان ممن تجب نفقته عليه بلا خلاف أجده فيه أيضاً: لأهمية حفظ النفس في نظر الشارع بدليل تقديمه على غيره من الواجبات كقطع الصلاة لانقاذها و غيره مما لا بدل له، فضلًا عما له بدل مساو له في الطهورية»[٢].
[١] جواهر الكلام: ج ٩، ص ٢٥٦.
[٢] جواهر الكلام: ج ٥، ص ١١٤.