مباني الفقه الفعال في القواعد الفقهية الأساسية - السيفي المازندراني، الشيخ علي أكبر - الصفحة ٦٢ - تأسيس الأصل في المقام
منجّزة في حقّهم ما داموا كافرين غير معتقدين و لا مؤمنين باصول الدين، و إن كانوا عالمين بالأحكام الفرعية لأغراض علمية دنيوية.
و لا يخفى أنّه لا ينافي ذلك عقابهم على الفروع لأجل تركهم تحصيل مقدماتها الاختيارية و هي العلم و الاعتقاد بالاصول بطريق التعقّل و التفكّر، كما قال تعالى: «أُفٍّ لَكُمْ وَ لِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، أَ فَلا تَعْقِلُونَ»[١]، كما دلّ عليه صحيح زرارة و غيرها، و سيأتي ذكر هذه النصوص.
و أما قوله تعالى: «ما أرسلناك إلّا كافّةً للناس»؛ فمعناه هداية جميع الناس و فلاحهم و سعادتهم و نجاتهم من النار و إنقاذهم من ورطة الهلاكة و الطغيان و الفساد و حيرة الضلالة. و ذلك لا يلازم تكليف الكفار بالفروع قبل أن يؤمنوا بالاصول؛ لامكان تكليفهم بالفروع بطريق التكليف بالاصول في الرتبة السابقة.
و أما قوله: «يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا ...»[٢]، فهو إرشادٌ إلى حكم العقل بوجوب طاعة الربّ و عبادته؛ قضاءً لحق العبودية و المولوية و شكراً لنعمائه، كما يشعر بذلك ذيله «ربّكم الذي خلقكم ...»، فانه في قوّة التعليل الذي يستند إليه العقل في حكمه بوجوب طاعة اللَّه و عبادته بملاك الربوبية و الخالقية.
و أما قوله: «يا أيها الناس اتقوا ربّكم»، فهو تحذير من الكفر باللَّه الموجب للخلود في النار الحريق؛ أيّ اتقوا من عذاب ربّكم و الخلود في نار جهنّم بالايمان باللَّه و الاجتناب عن الكفر الموجب للخلود في النار. و هذا أيضاً إرشادٌ إلى حكم العقل بلزوم دفع العقاب الاليم الخاسر الاخروي و تحصيل المؤمّن من خوف الضرر العظيم و الخطر الكبير.
فلا نظر لهذه الآيات إلى التكليف بالفروع.
إن قلت: إطلاق هاتين الآيتين و ما شابههما من الآيات يقتضي وجوب
[١] الاسراء: ٢٣.
[٢] البقرة: ٢١.