مباني الفقه الفعال في القواعد الفقهية الأساسية - السيفي المازندراني، الشيخ علي أكبر - الصفحة ١٩٤ - و أما السنة
و معنى الخطبة أنّ فلاناً لقد تلبّس برداءِ الحكومة و تصدّى لإمارة المسلمين و هو و اللَّه غير لائق لمنصب الخلافة. و هو نفسه يعلم أنّ الخلافة و أمارة المسلمين إنّما تدور مداري و تقوم بي. و إنّي عالي المكان و مرتفع الشأن و بعيد المرتقى عند اللَّه و رسوله. كما أنّ السيل ينحدر من الأماكن العالية و الطير لا يرقى إليها؛ لذروة رفعتها.
و الأمر عندي دار بين أن اقاتل معه بلا عِدّة و لا عُدّة- كأنّي مقطوع اليدين-، و بين أن أصبر على فتنة مظلمة عمياء. ففكّرت و تأملت، فرأيت أنّ الصبر و ترك القتال أقرب إلى العقل و أحفظ لنواميس المسلمين و اقتدارهم و دمائهم فصبرت حال كوني، كمن اعترض العظم في حلقة و الشوك في عينه من شدّة ألم التحمّل و الصبر على هذه الفتنة الصعبة و المصيبة الشاقّة.
و مقصود الامام عليه السلام: أنّي فكّرت و تأملت عند ما ابتُليت بالدوران بين المحذورين- المذكورين في كلامه- فرأيت ترجيح الصبر و ترك القتال مع عدم العدّة و العُدّة، أقرب إلى حكم العقل و مقتضى التأمّل؛ لما في الاجتناب عن الفتنة و الاحتراز عن سفك دماءِ المسلمين- من غير نتيجة و لا تحصيل الغرض الواجب- من الأهمية، و إن كان الجهاد و قتال أهل البغي أيضاً واجب مهمّ. و بهذا التقريب تتمّ دلالة هذه الخطبة على القاعدة المبحوث عنها في المقام. و عموم التعليل بأقربية أحد طرفي الدوران و أهميته ينفي اختصاص الترجيح المزبور بشخص الامام عليه السلام في تلك الواقعة، بل يقتضي التعميم و تسرية ترجيح الأهم في جميع موارد الدوران بين الأهم و المهمّ. فلا يُعبأ باحتمال مثل هذا الترجيح بالامام المعصوم عليهم السلام.
هذا من جهة الدلالة و فقه الحديث.
و أما من جهة السند: