التنقيح في شرح العروة الوثقى - الغروي، الشيخ علي - الصفحة ١١٣ - فصل في حكم الماء الجاري
..........
و الصحيح ما التزم به المعروف من اعتبار كلا الأمرين في موضوع الجاري اما اعتبار الجريان فعلا: فلأنه الظاهر المتبادر من إطلاقه دون ما فيه استعداد الجريان و قابليته لو لا المانع، فالروايات المشتملة على عنوان الجاري منصرفة الى ما يكون جاريا بالفعل، فلا تشمل ما هو كذلك شأنا و اقتضاء، و لعل من يرى دخول العيون في الجاري ينظر الى اعتصامها بمادتها، و هو حق، إلا ان الكلام فيما هو موضوع الجاري لتترتب عليه عليه أحكامه الخاصة لا في الماء المعتصم.
و أما اعتبار النبع فقد ذكروا أن الجاري لا يطلق إلا على ما يكون نابعا عن الأرض، و يكون له مادة، و أما مجرد السيلان فهو لا يكفي في إطلاق الجاري عليه، نعم الجاري لغة أعم من أن يكون له مادة و نبع أم لم يكن حتى انه يشمل الجاري من «المزملة و الأنابيب»، و ما يراق من الحب على وجه الأرض إلا انه عرفا يختص بما له مادة و نبع، و هو الذي يقابل سائر المياه. و قد ادعى الإجماع في جامع المقاصد و غيره على اعتبار النبع في الجاري و ذكر ان الأصحاب لم يخالفوا فيه غير ابن أبي عقيل، حيث اكتفى بمجرد السيلان، و الجريان، و ان لم يكن له مادة و نبع.
و التحقيق في المقام أن يقال: ان أراد ابن أبي عقيل بهذا الكلام، كفاية مطلق الجريان في صدق الجاري، و ان لم يكن لجريانه استمرار و دوام، كجريان الماء على وجه الأرض بإراقة الكوز و الإبريق و نحوهما، فالإنصاف انه مخالف لمفهوم الماء الجاري عرفا. و ان أراد ان الماء إذا كان له جريان على وجه الدوام فهو يكفي في صدق عنوان الجاري عليه، و ان لم يكن له مادة و نبع، فالظاهر ان ما أفاده هو الحق الصريح و لا مناص من الالتزام به.
(و الوجه في ذلك): ان توصيف ماء بالجريان- مع انه لا ماء في