عوائد الأيام في بيان قواعد الأحكام - النراقي، المولى احمد - الصفحة ٣٦٢ - أما الأول بقاء التكاليف زائدا على القدر المعلوم
و بون بعيد بين حكم الرسول بحكم، و بين بقائه للجاهل الغير المتمكن من الوصول إليه.
ألا ترى أن جمعا من العلماء حكموا بمعذورية الجاهل الساذج بالمرة، و وضعوا عنه الحكم، و أجمعوا على وضع الحكم عن الجاهل في بعض الموارد، و ما الضرر في أنّ الرسول يحكم لشيء بحكم، و كان هو لمن وصل إليه هذا الحكم بالطريق العلمي، أو الظن الثابتة حجيته؟ بل الأمر كذلك لا محالة، و لا حكم لمن لم يصل إليه، و عبارة «رفع عن أمتي» و «وضع» صريحة فيه.
و قد أجمع جميع العلماء بل صار ضروريا من دين سيد الأنبياء (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): أن المستضعفين و الذين لا خبر لهم عن حكم أصلا معذورون، و لا يتعلق بهم الحكم.
بل لنا ها هنا كلام آخر، و هو أنه ما أراد بأحكام اللّه التي أتى بها النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في كل واقعة بمدلول تلك الأخبار، و يحكم ببقائها إلى هذا الزمان؟
فإنه إما أن يراد: أن للّه سبحانه في كل واقعة في حق جميع المكلفين حكما واقعيا واحدا معينا غير متبدل، هو حكم لجميع المكلفين، حكم به و قرره، و هو باق لنا و لغيرنا، يجب على الكل العمل بهذا الحكم الواحد، و الإتيان به، و يعاقب تاركه، و المنحرف عنه.
أو يراد: أن للّه سبحانه في كل واقعة لكل أحد حكما يجب عليه العمل به و إن لم يكن ذلك الحكم معيّنا، بل تعيينه منوط بنظر المكلف و سعيه و اجتهاده؟
فإن كان المراد الأول: فلا يتفرع عليه وجوب العمل بالظن أصلا، بل يناقضه، لأنه إذا وجب العمل بشيء معيّن، و الإتيان به البتة، فالمظنون يمكن أن يكون هو، و أن يكون غيره، فالإتيان بالمظنون لا يعلم أنه الإتيان بما فرض وجوب الإتيان به البتة، و مع ذلك هو مخالف لإجماع جميع المسلمين، إذ معنى وجوب العمل بشيء معيّن واحد أنه يعاقب بتركه و الانحراف عنه، فلو كان للّه سبحانه في كل واقعة، أو في الجملة لجميع المكلفين حكما معينا واحدا غير ساقط عنهم-