عوائد الأيام في بيان قواعد الأحكام - النراقي، المولى احمد - الصفحة ٤١٩ - دلالة وجهين آخرين حدسي وجداني و إلزامي على عدم حجية مطلق الظن
فلا شك في كون باب العلم بها منسدا في زمان الغيبة، بل لأكثر الموجودين في زمان الحضور، و المنتشرين في البلاد و القرى و البوادي، و لا شك في أنه لا دليل منقولا من الشارع على حجية الظن من حيث هو، و لا يدّعيه القائل بها أيضا.
فنقول: أنصف أيها العاقل أنه إذا كانت الحجة التي تثبت بها التكاليف- معظمها للمكلفين- هو الظن من حيث هو، و يكون هو مرجع المسائل كلها، و وجب الأخذ به و اتّباعه في تمام زمان الغيبة الذي أخبر به النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و خلفاؤه، و عن طوله و امتداده، بل في زمان الحضور لغير قليل، و علم النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و أوصياؤه أن عقول المكلفين في إدراك ذلك مختلفة غاية الاختلاف و أشده، بل يحكم الأكثر بعدم كونه المدرك، فهل لا ينبّه عليه الرسول الرؤوف، الذي أرسل من الرب الرحيم جلّ شأنه لتبليغ الأحكام إلى العباد، و لبيان مأخذها؟ و لا يبين طريق الوصول إلى أحكامه، بل يبين الأحكام لشرذمة قليلة هم المتمكنون من الوصول إلى خدمته، و لا يبين أن المأخذ و المتبع لغير تلك الشرذمة هو الظن، سيما مع أنه امتلأ الكتاب الذي أرسل إليه بالنهي عن اتّباعه، و الذم عليه، و تواترت الأخبار في ذلك، و كان الأصل أيضا عدم حجيته.
و هل يجوز لهم عدم بيان ذلك، و الاتكال في فهمه و تخصيص العمومات الناهية على مجرّد عقل طائفة قليلة، يوجد فيما بعد مضي أزيد من ألف سنة، مع تواتر ذمهم العامة على عملهم بالظن، مع انسداد باب العلم لهم أيضا على ما زعموا؟
و مع أن في أخبار كثيرة: أن السائل سأل عمّا يعمل به، فأمر بالأخذ بالكتاب و السنّة، ثم سأل عمّا ليس فيه كتاب أو سنّة، فأمر بالاحتياط أو التوقف أو التخيير [١]، و لم يأمر في واحد بالعمل بالظن، بل سئل في بعضها عن العمل
[١] الكافي ٤: ٣٩١- ١، التهذيب ٥: ٤٦٦- ١٦٣١، الوسائل ١٨: ٢٤ أبواب صفات القاضي ب ٦ ح ٧، و ١٨: ١١١ أبواب صفات القاضي ب ١٢ ح ١ و ٢، بحار الأنوار ٢: ١٧٥- ١٦.