عوائد الأيام في بيان قواعد الأحكام - النراقي، المولى احمد - الصفحة ٤١٦ - الدليل الثالث من أدلة القائلين بحجية الظن مطلقا
الملازمة أصلا، بل تراهم صرّحوا بأن العذاب على ما لم يعلم قبيح، و إن قلت:
إنه من لوازم فهم الوجوب علما أو ظنا، نمنعه أيضا، و ما لم يثبت حجية الظن لا يحكم عقل و لا شرع و لا عرف و لا عادة بترتب استحقاق العقاب على ترك واجب، بل الأمر على العكس، و العقل و العادة يحكمان بلزوم عدم الاستحقاق.
ألا ترى أنه لو سألك اللّه عزّ شأنه في يوم القيامة: أنك لم ما امتثلت الأمر الفلاني؟ و اعتذرت أنت بقولك: إني ما كنت عالما بوجوبه، و كلّما تفحصت لم أجد دليلا على وجوب متابعة ظني، لم يجز له أن يعاقبك.
فإن قلت: أما ترى أنهم قالوا في التعريف باللازم: إن الواجب ما يستحق تاركه العقاب، و لم يقيدوه بقيد ظن، و لا علم.
قلنا أولا: إنه لم يعرّف بذلك إلّا شرذمة قليلة، و الآخرون أوردوا [١] عليه بأبحاث غير محصورة.
و ثانيا: إنك إن ترى ذلك، فانظر إلى كلام آخر منهم، حيث يقولون: إن مؤاخذة جاهل الحكم الغير المقصر قبيحة، فيعلم أنّ مرادهم إنما هو ما يستحق تاركه مع العلم أو التقصير، و المؤاخذة في صورة التقصير أيضا إنما هي على التقصير خاصة.
و ثالثا: إن كثيرا منهم صرّحوا بأنّ معنى الواجب هو: ما طلب حتما، و يقولون: إن المطلوبية من شخص لا تتحقق إلّا مع علمه، فالواجب على شخص يكون ما حصل له العلم بطلبه، و يكون العلم معتبرا في حقيقة الواجب، و يحتمل أن يكون نظر الشرذمة الاولى على ذلك أيضا.
و لو سلّمنا جميع ذلك، نقول: غاية الأمر حصول الظن باستحقاق الضرر، و لا شك أنه غير ظن الضرر، و أما ظن الضرر و العقاب فلأي وجه؟
[١] أي: أشكلوا.