عوائد الأيام في بيان قواعد الأحكام - النراقي، المولى احمد - الصفحة ٤٤٠ - الثالثة
[بيان مقدمات الخمس]
و لنقدّم أمام المقصود مقدّمات نافعة:
الأولى:
حكم العقل بجواز كلّ من الفعل و الترك في كل أمر لا قبح فيه بحسب عقولنا قبل ورود الشرع به بديهيّ، إذ المفروض عدم حكم العقل بقبح في أحد الطرفين، و عدم حكم من الشرع فيه أيضا، فلا يكون منع عقلي و لا شرعي في شيء من طرفيه، و ليس معنى الجواز العقلي إلّا ذلك.
بل يحكم العقل بجوازه الشرعي أيضا، إمّا لأجل أنّ الجائز الشرعي ما لا حرج في فعله و لا تركه، و لا منع على أحدهما، و هذا كذلك. أو لأنّ العقل يحكم صريحا بأنّ الشارع لا يعاقب على فعل أو ترك لم ينه عنه، و لم يحكم فيه بقبح.
و ليعلم أيضا: أنّ من الأمور البديهية أنّا لو لم نعلم بوجوب شيء أو حرمته، و لم نظنّه، و لم نعثر على دليل علمي و لا ظنّي، و لا أمارة تدل على الوجوب أو الحرمة، يجوز لنا فعله و تركه، و يمتنع من الشارع عقابنا على أحدهما، لأنّه ممّا يستقبحه العقل، و يذم عليه العقلاء، سيّما إذا كان في مقابل احتمال الوجوب احتمال الحرمة أيضا، أو بالعكس. و قد ثبت ذلك بالأدلّة القطعية النقلية أيضا من الكتاب و السنّة المتواترة و الإجماع القطعي.
الثانية:
من الأمور البديهية عقلا و شرعا أنّه لا يمكن كون شيء مناطا لنا و مأخذا لأحكامنا الشرعية و كوننا مأمورين بأخذ الحكم منه من دون كونه مفيدا للعلم أو الظنّ، أو من غير العلم بحجيته و مناطيّته، أو الظنّ بذلك.
و بالجملة: لا معنى لكوننا مأمورين بالعمل بشيء معيّن في جميع الوقائع أو واقعة خاصّة من غير جهة و مرجّح عقلي أو شرعي لتعيّنه، و هذا بديهيّ جدّا.
الثالثة:
اعلم أنّه كما أنّ طرق حصول العلم بالأحكام الشرعية محصورة، و هي: العقل، و الحسّ- كالسماع من المعصوم- و العادة، و الخبر المتواتر، أو المحفوف بالقرينة، أو الإجماع القطعي، كذلك طرق تحصيل الظنّ بالأحكام الشرعية، أو الأمارة التي احتمل كونها مناطا لتحصيلها، التي أمكن كونها مناطا،