تحقيق الأصول - الحسيني الميلاني، السيد علي - الصفحة ٣٠٣ - المقام الثاني (في المانع)
الموضوع في القضيّتين، و الفقيه يطبّق النصّ على مورده حسب الأدلّة العقلية، و هو لا يتوقّف في التمسّك بهذا النص في مورد العدم الأزلي، فليس المرجع فيه هو العرف حتى يقال بعدم عرفيّة هذا الاستصحاب.
على أنه قد تقرّر في محلّه: أن المنشأ للانصراف هو التشكيك في الصّدق، و هذا الملاك بالنسبة إلى العدم الأزلي غير موجود، فلو كان تشكيك في الصدق لزم عدم القول بالاستصحاب في الأحكام الشرعية، و الحال أن المشهور يتمسّكون عند الشك في الحكم باستصحاب عدم الجعل كما يتمسّكون بالبراءة ... و على أساس استصحاب العدم الأزلي ذهب بعضهم- كالسيد الخوئي- إلى عدم جريان الاستصحاب في الأحكام الكلية الإلهية إذ قال بأنّ عدم الجعل معارض باستصحاب بقاء المجعول ....
و تلخص اندفاع هذا الوجه حلّاً و نقضاً.
الوجه الرابع:
إنّ العدم في الأزل غير العدم بعد الوجود ... و من أجل هذه المغايرة يكون استصحاب العدم الأزلي من الأصل المثبت ... مثلًا: عدم البياض على الجدار الذي كان قبل وجود الجدار يغاير عدمه بعد وجود الجدار ... لأنّ العدم الأوّل كان مستنداً إلى عدم الموضوع، و إذْ لا موضوع فلا عرض، بخلاف العدم الثاني، فإنّ الموضوع- و هو الجدار- موجود و ليس بأبيض.
و بعبارة اخرى: لا يعقل بقاء المعلول مع تغيّر العلّة، فإنْ علّة العدم قبل وجود الموضوع شيء، و علّته بعد وجود الموضوع شيء آخر، و إذا تعدّدت العلّة و تغيّرت، فالمعلول كذلك، فكان المتيقّن السابق غير المشكوك فيه لاحقاً ...
فلا يجري الاستصحاب، و هذا التقريب أقوى من تقريب المثبتين.