الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٣٤ - تأويل آية
و قد روى أهل العربية: أخفيت الشيء يعنى [١] سترته، و أخفيته بمعنى أظهرته، و كأنّ القراءة بالضم تحتمل الأمرين: الإظهار و الستر، و القراءة بالفتح لا تحتمل غير الإظهار؛ و إذا كانت بمعنى الإظهار كان الكلام فى «كاد» و احتمالها للوجوه الثلاثة التى ذكرناها كالكلام فيها إذا كانت بمعنى الستر و التغطية.
فإن قيل: فأىّ معنى لقوله: إنى أسترها لتجزى كلّ نفس بما تسعى، أو أظهرها على الوجهين جميعا؟و أى فائدة فى ذلك؟
قلنا: الوجه فى هذا ظاهر، لأنه تعالى إذا ستر عنّا وقت الساعة كانت دواعينا إلى فعل الحسن و القبيح مترددة، و إذا عرّفنا وقتها بعينه كنا ملجئين إلى التوبة، بعد مقارفة الذنوب و نقض ذلك الغرض بالتكليف و استحقاق الثواب به، فصار ما أريد من المجازاة للمكلّفين بسعيهم، و إيصال ثواب أعمالهم يمنع من اطلاعهم على وقت انقطاع التكليف عنهم.
فأما إذا كانت لفظة أُخْفِيهََا بمعنى الإظهار فوجهه أيضا واضح؛ لأنه تعالى إنما يقيم القيامة، و يقطع التكليف ليجازى كلاّ باستحقاقه، و يوفّى مستحقّ الثواب ثوابه، و يعاقب المسيء باستحقاقه، فوضح وجه قوله تعالى: أَكََادُ أُخْفِيهََا لِتُجْزىََ كُلُّ نَفْسٍ بِمََا تَسْعىََ على المعنيين جميعا.
قال سيدنا الشريف الأجل المرتضى أطال اللّه بقاءه: وجدت أبا بكر محمد بن القاسم الأنبارىّ يطعن على جواب من أجاب فى قوله: وَ بَلَغَتِ اَلْقُلُوبُ اَلْحَنََاجِرَ بأنّ معناه كادت تبلغ الحناجر، و يقول: «كاد» لا تضمر، و لا بدّ من أن يكون منطوقا بها، و لو جاز ضميرها لجاز: قام عبد اللّه بمعنى كاد عبد اللّه يقوم، فيكون تأويل قام عبد اللّه لم يقم عبد اللّه؛ لأن معنى كاد عبد اللّه يقوم لم يقم، و هذا الّذي ذكره غير صحيح. و نظنّ أن الّذي حمله على الطّعن فى هذا الوجه حكايته له عن ابن قتيبة، لأنّ من شأنه أن يردّ كل ما يأتى به ابن
[١] حاشية ت: «أخفيته إذا كان بمعنى أظهرته كانت الألف للسلب، و المعنى: سلبته الخفاء؛ مثل شكانى فأشكيته» .
غ