الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٢٣ - تأويل آية
و على [١] هذه القراءة فى الآية وجه آخر و إن لم يحمل قوله: وَ مََا أُنْزِلَ عَلَى اَلْمَلَكَيْنِ على الجحد و النفى، و هو أن يكون هؤلاء الذين أخبر عنهم اتّبعوا ما تتلوا الشياطين و تدّعيه على ملك سليمان، و اتبعوا ما أنزل على هذين الملكين من السحر، و لا يكون الإنزال مضافا إلى اللّه تعالى، و إن أطلق؛ لأنه جلّ و عز لا ينزل السحر؛ بل يكون منزله إليهما بعض الضّلاّل العصاة، و يكون معنى أُنْزِلَ -و إن كان من الأرض-حمل إليهما لا من السماء أنه أتى به به من نجود الأرض و أعاليها؛ فإنّ من هبط من نجد البلاد إلى غورها يقال: نزل و هبط، و ما جرى هذا المجرى.
فأما قوله تعالى: وَ مََا هُمْ بِضََارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاََّ بِإِذْنِ اَللََّهِ فيحتمل وجوها:
منها أن يريد بالإذن العلم، من قولهم: آذنت فلانا بكذا إذا أعلمته، و أذنت لكذا إذا استمعته و علمته، قال الشاعر:
فى سماع يأذن الشّيخ له # و حديث مثل ماذىّ مشار [٢]
و منها أن تكون إِلاََّ زائدة، فيكون المعنى: و ما هم بضارين به من أحد بإذن اللّه، و يجرى مجرى قول أحدنا: لقيت زيدا إلا أنى أكرمته، أى لقيت زيدا فأكرمته.
و منها أن يكون أراد بالإذن التخلية و ترك المنع، فكأنه أفاد بذلك أنّ العباد لن يعجزوه، و ما هم بضارين أحدا إلا بأن يخلّى اللّه تعالى بينهم و بينه، و لو شاء لمنعهم بالقهر و القسر، زائدا على منعهم بالزجر و النهى.
/و منها أن يكون الضرر الّذي عنى أنه لا يكون إلا بإذنه، و أضافه إليه هو ما يلحق المسحور من الأدوية و الأغذية التى يطعمه إياها السّحرة و يدّعون أنها موجبة لما يقصدونه فيه من الأمور؛ و معلوم أن الضرر الحاصل عن ذلك من فعل اللّه تعالى بالعادة؛ لأنّ الأغذية لا توجب ضرّا و لا نفعا، و إن كان المعرّض للضرر من حيث كان كالفاعل له هو المستحق للذم، و عليه يجب العوض.
[١] ت: «و يمكن على هذه القراءة... » .
[٢] البيت فى اللسان (أذن) ، و نسبه إلى عدى ابن زيد الماذى: العسل الأبيض. و المشار: المجنى، و يقال: شرت العسل و اشترته و أشرته، إذا جنيته.