الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٣٥ - تأويل آية
قتيبة، و إن تعسّف فى الطعن عليه. و الّذي استبعده غير بعيد؛ لأنّ «كاد» قد تضمر فى مواضع يقتضيها بعض الكلام و إن لم تكن فى صريحه؛ أ لا ترى أنهم يقولون: أوردت على فلان من العتاب و التوبيخ و التقريع ما مات عنده، و خرجت نفسه، و لما رأى فلان فلانا لم يبق فيه روح، و ما أشبه ذلك. و معنى جميع ما ذكرناه المقاربة، و لا بد من إضمار «كاد» فيه، و قال جرير:
إنّ العيون التى فى طرفها مرض # قتلنا ثمّ لم يحيين قتلانا [١]
و إنما المعنى أنهن كدن يقتلننا؛ و هذا أكثر فى الشعر و الكلام من أن نذكره.
فأما قوله: «يحيين قتلانا» فالأظهر فى معناه أنهن لم يزلن ما قاربنا عنده الموت و القتل من الصدود و الهجر و ما أشبه ذلك، و سمّى هذه الأمور حياة كما سمى أضدادها قتلا، و قد قيل إن معنى «يحيين قتلانا» أنهن لم يدين قتلانا، من الدّية، لأنّ دية القتيل عند العرب كالحياة له، و قد روى: «ثم لم يجنن قتلانا» ، و هذه رواية شاذة لم تسمع من عالم و لا محصّل و معناها ركيك ضعيف؛ و إذا كان الأمر على ما ذكرناه لم يمتنع أن يقال: قام فلان بمعنى كاد يقوم، إذا دلّت الحال على ذلك؛ كما يقال: مات بمعنى كاد يموت.
فأما قوله: «فيكون تأويل قوله: قام عبد اللّه، لم يقم عبد اللّه» فخطأ؛ لأنه ليس معنى كاد يقوم إنه لم يقم/كما ظنّ بل معنا. أنه قارب القيام و دنا منه، فمن قال: قام عبد اللّه و أراد كاد يقوم؛ فقد أفاد ما لا يفيده لم يقم.
[١] ديوانه: ٥٩٥؛ و فى حواشى الأصل، ت، ف: «روى أنه وقع الخلاف بين هارون الرشيد و زبيدة فى هذا البيت؛ فكان هارون يقول: «يحيين» ، و زبيدة تقول: هو: «يجنن» ، بالجيم و النون؛ فتخاطرا على ذلك بألفى دينار، و دعوا مسرورا الخادم، و أعطياه على أن يخرج فيسأل أفضل من ببغداد من أهل العلم؛ فإن صوب قول هارون أعطاه ألفا، و إن صوب قول زبيدة فألفها، فخرج مسرور بالشموع يطلب من يفتيه فى ذلك؛ فدل على الكسائى؛ و كان قريب عهد القدوم من الكوفة إلى بغداد؛ و كان يأوى إلى مسجد؛ فدخل مسرور عليه بخيله و حشمه؛ فتحفز له الكسائى؛ فقال: لا بأس؛ إنه بيت قد أشكل علينا، و استفتاه فى الكلمتين فصوبهما جميعا؛ فأعطاه الألفين؛ فأصبح و قد استفاد بكلمة أوضحها ما أغناه؛ و هذا دليل على حسن تأتيه و لطافة أدبه» .