النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٥٥٦
و من المؤنث الذى فيه علامات التأنيث كذا، و أوصافه كذا، ثم لما أنجزوا ذلك قالوا:
و من المؤنث الذى روى رواية كذا و كذا، فهذا من الوضوح على مالا خفاء به.
فلما رأى القوم كثيرا من اللغة مقيسا منقادا وسموه بمواسمه، و غنوا بذلك عن الإطالة و الإسهاب فيما ينوب عنه الاختصار و الإيجاز، ثم لما تجاوزوا ذلك إلى ما لا بد من إيراده، و نص ألفاظه التزموا و ألزموا كلفته؛ إذ لم يجدوا منها بدّا، و لا عنها مصرفا.
و معاذ اللّه أن ندعى أن جميع اللغة تستدرك بالأدلة و قياسا، لكن ما أمكن ذلك فيه قلنا به، و نبهنا عليه، كما فعله من قبلنا، ممن نحن له متبعون، و على مثله و أوضاعه حاذون. فأما هجنة الطبع، و كدورة الفكر، و جمود النفس، و خيس [١] الخاطر، و ضيق المضطرب، فنحمد اللّه على أن حماناه، و نسأله سبحانه أن يبارك لنا فيما آتاناه، و يستعملنا به فيما يدنى منه، و يوجب الزلفة لديه، بمنه) اهـ.
*** هذا البحث النفيس لابن جنّى يذكرنا بما له من آراء جليلة أخرى، يتصل منها بموضوعنا قوله [٢] :
(حكى لنا أبو على عن ابن الأعرابى، أظنه قال: يقال: درهمت الخبّازى، أى: صارت كالدّرهم، فاشتق من الدرهم، و هو اسم أعجمى.
و حكى أبو زيد: رجل مدرهم، و لم يقولوا منه «درهم» إلا أنه إذا جاء اسم المفعول فالفعل نفسه حاصل فى الكفّ [٣] ، و لهذا أشباه... » اهـ.
ثم قال بعد ذلك [٤] :
[١] الخيس: الخطأ، أو الضلال.
[٢] فى كتابه: «الخصائص» -جـ ١ ص ٣٦٢-باب: «أن ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب» .
[٣] يريد: أنه ميسور، كأنه فى يد من يريده، لا يتعب فى البحث عنه، و لا فى معرفة أنه مسموع، أو غير مسموع، بل يستعمله من غير تردد و لا رجوع إلى مراجع لغوية.
[٤] فى ص ٣٦٧ من الفصل نفسه.