النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٤١٢ - أنواع العامل (أى المتعلّق به) و مواضع ذكره و حذفه
تعلقهما بكلمة: «وجل» فإن المعنى معه يكون: عداتك فى وجل منك...
و هو معنى مستقيم.
و من الأمثلة السالفة يتبين أن متعلّقهما قد يكون متأخرّا عنهما، أو متقدما عليهما؛ فليس من اللازم أن يتقدم عليهما العامل الذى يتعلقان به. و قد اجتمع الأمران فى قول الشاعر:
بالعلم و المال يبنى الناس ملكهمو # لم يبن ملك على جهل و إقلال
و فى قول الآخر:
لئن لم أقم فيكم خطيبا فإننى # بسيفى إذا جدّ الوغى لخطيب...
فالمراد: يبنى الناس ملكهم على العلم و المال... -لم يبن الناس ملكهم على جهل و إقلال-لئن لم أقم فيكم خطيبا فإننى لخطيب بسيفى...
فالواجب يقتضى-فى كل الأحوال-أن نبحث لحرف الجر الأصلى [١] مع مجروره عن «العامل» المناسب لهما-و لا سيما إذا تعددت حروف الجر و مجروراتها، و تعددت معها الأفعال و أشباهها [٢] -و أن نميزه و نستخلصه من غير المناسب؛ و لا نتأثر فى اختياره بقربه من الجار و المجرور، أو بعده عنهما، أو تقدمه عليهما أو تأخره، أو ذكره، أو حذفه. و إنما نتأثر بشى واحد؛ هو ما يكون بين العامل و بينهما من ارتباط معنوى يحتم اتصالهما به بطريقة تعلقهما به مع ملاحظة الرأى المشهور؛ و هو: أن شبه الجملة بنوعيه لا يتقدم على عامله المؤكد بالنون [٣] .
[١] و شبهه، إلا الحرف «على» الذى للإضراب فإنه لا يتعلق، (كما سبق فى رقم ٢ من هامش ٤٠٦ و رقم ٤ من هامش ٤٠٧ طبقا للبيان الآتى فى ص ٤٧٢) .
[٢] الكثير ألا يتعلق حرفان للجر بعامل واحد إذا كانا بمعنى واحد، نحو: مررت بالوالد بالأخ؛ حتى لقد منع بعض النحاة هذا التعليق منعا باتا.
أما عند اختلاف معنى الحرفين فيجوز تعلقهما بعامل واحد؛ نحو: مررت بالعربى بالبادية.
و الحق أن المنع القاطع المطلق مخالف لظاهر كلام الزمخشرى فى قوله تعالى: (كُلَّمََا رُزِقُوا مِنْهََا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قََالُوا هََذَا اَلَّذِي رُزِقْنََا مِنْ قَبْلُ) » فإنه يفيد الجواز مع كون معنى الحرفين: (من» الأولى و الثانية) واحدا؛ ذلك لأن الحرف الثانى إنما يتعلق بالفعل بعد تقييده بالأول، و الأول إنما تعلق به فى حال الإطلاق (راجع شرح التصريح و حاشية ياسين جـ ١ باب الحال عند الكلام على الحال مع صاحبها) .
[٣] انظر البيان فى ١ من هامش ص ١٠٠.