النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٥٠١ - زيادة و تفصيل
زيادة و تفصيل:
لا شك أن المذهب الثانى [١] نفيس كما سبق؛ لأنه عملىّ و بعيد من الالتجاء إلى المجاز، و التأويل، و نحوهما من غير حاجة. فلا غرابة فى أن يؤدى الحرف الواحد عدة معان مختلفة. و كلها حقيقى [٢] -كما قلنا-و لا غرابة أيضا فى اشتراك عدد من الحروف فى تأدية معنى واحد. لأن هذا كثير فى اللغة، و يسمى: المشترك اللفظى [٣] .
و هناك سبب آخر يؤيد أصحاب المذهب الثانى هو أن الباحثين متفقون على أنّ المجاز إذا اشتهر معناه، و شاع بين الناطقين به، انتقل هذا المجاز إلى نوع جديد آخر يسمى: «الحقيقة العرفية» (و لها بحث مستفيض فى مكانها بين أبواب البلاغة) و من أشهر أحكامها: أنها فى أصلها مجاز قائم على ركنين: علاقة بين المشبه و المشبه به، و قرينة تمنع من إرادة المعنى الأصلى. فإذا اشتهر المجاز و شاع استعماله تناسى الناس أصله، و اختفى ركناه، و استغنى عنهما و عن اسمه، و دخل فى عداد نوع جديد يخالفه، يسمى: «الحقيقة العرفية» فلو سلّمنا أن حرف الجر لا يؤدى إلا معنى واحدا أصليّا. و أن ما زاد عليه ليس بأصلى، لكان بعد اشتهاره و شيوعه فى المعنى الجديد داخلا فى الحقيقة العرفية.
و هى ليست بمجاز فى صورتها الواقعة.
[١] و هو الكوفى.
[٢] سواء أ كانت الحقيقة لغوية أم عرفية-كما سبق فى رقم ٢ من هامش ص ٤٩٨.
[٣] الحق أنه لا سبيل للحكم على معنى من معانى المشترك اللفظى بأنه «مجازى» أو أن فى عامله «تضمينا» ؛ لأن هذا يقتضينا أن نعرف المعنى الأصلى الذى وضع له اللفظ أولا، و استعمل فيه، ثم انتقل منه بعد ذلك إلى غيره من طريق المجاز أو التضمين، أى: أنه لا بد من معرفة أقدم المعنيين فى الاستعمال؛ ليكون هذا الأقدم هو الأصلى؛ و المتأخر عنه هو الحادث مجازا أو تضمينا. و هذا أمر لم يتحقق حتى اليوم فى أكثر المعانى التى يؤديها كل حرف من حروف الجر، و هى معان مرددة فى أفصح الكلام العربى-قرآنا و غير قرآن-و لا سبيل للحكم القاطع بأن معنى معينا منها أسبق فى الاستعمال من معنى آخر، و إذا لا سبيل للحكم الوثيق بأن واحدا من تلك المعانى هو وحده الحقيقى، و أن ما عداه هو المجازى أو التضمينى. بل إن هذا يلاحظ فى كل معنى مجازى آخر يجرى فى غير الحرف. و لا يقال إن المعنى الحسىّ أسبق-فى الغالب-وجودا من العقلى المحض؛ لا يقال هذا لأنه لا يصدق على حالات متعددة. و فوق هذا أيضا يكاد يكون الحكم بالأسبقية مستحيلا إذا كان المدلولان عقليين معا (أى: غير حسيين) .
و قد رأى أحد المستشرقين ضرورة وضع معجم خاص يوضح أقدمية الكلمات و تاريخ ميلادها، و تجرد لهذه المهمة، و لكن منيته عاجلته فى أول مراحل العمل.
غ