النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٤٩٦ - المسألة ٩٢
المسألة ٩٢:
و-نيابة حرف جر عن آخر
يتردد بين النحاة أن حروف الجر ينوب بعضها عن بعض؛ فيتوهم من لا دراية له أن المراد جواز وضع حرف مكان آخر بغير ضابط، و لا توقّف على اشتراك بينهما فى المعنى، و لا تشابه فى الدلالة. و هذا ضرب من الفهم المتغلغل فى الخطأ [١] ...
أما حقيقة الأمر فى نيابة حروف الجر بعضها عن بعض فتتلخص فى مذهبين:
الأول [٢] : أنه ليس لحرف الجر إلا معنى واحد يؤديه على سبيل الحقيقة، لا المجاز؛ فالحرف: «فى» يؤدى معنى واحدا حقيقيّا هو: «الظرفية» .
و الحرف: «على» يؤدى معنى واحدا حقيقيّا هو: «الاستعلاء» . و الحرف:
«من» يؤدى: «الابتداء» ، و الحرف: «إلى» يؤدى: «الانتهاء» ... و...
و هكذا... فإن أدّى الحرف معنى آخر غير المعنى الأصلى الخاص به وجب القول: بأنه يؤدى المعنى الجديد إما تأدية مجازية (أى: من طريق المجاز [٣] ، لا الحقيقة) ، و إما تأدية تضمينية [٤] (أى: بتضمين الفعل، أو: العامل الذى
[١] جاء فى المغنى-جـ ٢ الباب السادس فى التحذير من أمور اشتهرت بين المعربين، و الصواب خلافها به. ما نصه فى الأمر الثالث عشر منها:
«قولهم: ينوب بعض حروف الجر عن بعض، و هذا أيضا مما يتداولونه؛ و يستدلون به...
«و تصحيحه يكون بإدخال: ''قد‘‘على قولهم: ''ينوب‘‘؛ و حينئذ يتعذر استدلالهم به؛ إذ كل موضع ادعوا فيه ذلك يقال لهم فيه: لا نسلم أن هذا مما وقعت فيه النيابة. و لو صح قولهم لجاز أن يقال: مررت فى زيد، و دخلت من عمرو، و كتبت إلى القلم. على أن البصريين و من تابعهم يرون فى الأماكن التى ادعيت فيها النيابة أن الحرف باق على معناه، و أن العامل ضمن معنى عامل يتعدى بذلك الحرف؛ لأن التجوز فى الفعل أسهل منه فى الحرف» . اهـ. و سيجىء الرأى البصرى كاملا مع غيره هنا.
[٢] و هو مذهب البصريين. أما الثانى فمذهب الكوفيين، و الكلام عليه فى ص ٤٩٨.
[٣] و فى هذه الحالة يجب أن يتحقق للمجاز ركناه الأساسيان، و هما العلاقة و القرينة-انظر معناهما فى هامش الصفحة التالية-.
[٤] سبق شرح التضمين فى هذا الجزء، ص ١٣٨ من «باب» «تعدية الفعل» . و لأهميته سجلنا له بحثا شاملا مستقلا آخر هذا الجزء ص ٤٣٤.