النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٤٤٩ - زيادة و تفصيل
لا يذهب دم القتيل هدرا حتى تثأر [١] له الحكومة. أى: إلاّ أن تثأر له الحكومة، بمعنى: لكن تثأر له الحكومة؛ فلا يذهب هدرا. و الغالب فى هذا المثال-و أشباهه-أن يبقى النفى الذى قبل «حتى» على حاله بعد تأويلها بالحرف «إلا» .
و لا يصح فى المثال أن تكون: «حتى» للغاية؛ لأن «حتى» الغائية-كما عرفنا-إذا وقع ما بعدها و تحقق معناه توقف المعنى الذى قبلها، و انقطع.
على هذا فالحكومة حين تثأر للقتيل، ينقطع عدم ذهاب دمه هدرا؛ و انقطاعه و توقفه يؤدى-حتما-إلى وقوع ضده و حصوله؛ أى: إلى أن دمه يذهب هدرا. و هذا فاسد.
و شىء آخر يمنع أن تكون «حتى» غائية فى المثال؛ هو: أن ما قبلها لا ينقضى شيئا فشيئا.
و كذلك لا تصح أن تكون: «حتى» «تعليلية» ، لأن ما قبلها-هنا- ليس علة و سببا فيما بعدها؛ إذ عدم ذهاب دمه هدرا بالفعل ليس هو السبب فى انتقام الحكومة له؛ لأنّ هذا يناقض المراد، و إنما الانتقام له فعلا واقعا هو السبب فى عدم ذهاب دمه هدرا، إذ السبب لا بد أن يسبق المسبّب، و يوجد قبله؛ ليجىء بعده ما ينشأ عنه، و يترتب عليه، و هو: المسبب، فأخذ الثأر لا بد أن يوجد أوّلا. ليوجد بعده عدم ذهاب الدم هدرا، لا العكس.
و إذا كانت «حتى» فى المثال السابق و أشباهه لا تصلح أن تكون غائية و لا تعليلية فلا مفرّ بعدهما من أن تكون بمعنى: «إلا» الاستثنائية، فى استثناء منقطع؛ أى: أنها بمعنى: «لكن» التى تفيد الابتداء و الاستدراك معا-كما أسلفنا-و من الأمثلة:
١-كل مولود يولد جاهلا بالشرّ حتى يتعلّمه من أسرته و بيئته. بمعنى إلا أن يتعلمه. أى: لكن يتعلمه. فلا تصلح أن تكون «غائية» ؛ لأن ما قبلها هنا لا يقع متدرجا متطاولا بحيث يمتد إلى ما بعدها. بل يقع دفعة واحدة.
و لا تصلح أن تكون «تعليلية» ، لأن ولادة الجاهل بالشر ليست هى العلة المؤثرة فى أمر
[١] تثأر؛ أى: تأخذ بثأره، و تقتص له من الجانى.