النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٢٣٧ - زيادة و تفصيل
الزمان ظرفا؛ تشبيها بالظرف الحسى-كالأوانى و الأوعية التى توضع فى داخلها الأشياء. و إذا كان الأمر هكذا فكل زمان مقرون-حتما-بالحادث المتصل به الواقع فيه، و كثير من هذه الحوادث أمر عام يدل على مجرد «الوجود المطلق» من غير زيادة معنوية عليه. فهو معروف، فلا داعى لذكره؛ إذ لا فرق فى المعنى بين: قولنا: «السفر حاصل غدا» ، و قولنا: «السفر غدا» لأنه هو و الزمان متلازمان كما سلف؛ فذكر الثانى كاف فى الدلالة على وجود المحذوف؛ فهو مع حذفه ملاحظ و كأنه موجود. هذا من الناحية العقلية المحضة [١] .
و هناك شىء آخر يقولونه فى شبه الجملة الواقع خبرا-أو غير خبر-من الأشياء التى سلفت؛ هو: أن اللفظ الدال على الزمان لا يكمل وحده-بغير متعلقه- المعنى الأساسى للجملة، و لا يستقل بنفسه فى تحقيق فائدة تامة، و إنما يجىء لتكملة معنى آخر فيما يسمى: «العامل» ؛ فليس من شأن اللفظ الزمانى أن يتمم المعنى الأساسى المراد بغير ملاحظة العامل المحذوف؛ فلو لا ملاحظته فى مثل: «السفر يوم الخميس» لكان المعنى: السفر زمان، و هذا الزمان يوم الخميس، و بعبارة أخرى: السفر هو يوم الخميس نفسه، و يوم الخميس هو السفر، و المعنى-لا شك- فاسد، لأن الثابت المقرر من استقراء كلام العرب يوجب أن يكون الخبر هو المبتدأ فى المعنى، و المبتدأ هو الخبر فى المعنى كذلك.
و مثل هذا يقولون فى ظرف المكان؛ فالمكان المجرد لا وجود له؛ فمن المستحيل أن يوجد مكان لا تقع فيه أحداث جديدة، أو تستمر فيه أحداث قديمة؛ فالحوادث و الأماكن مقترنان متلازمان على الدوام، فذكر الثانى فى الكلام كاف فى الدلالة على وجود المحذوف الملاحظ حتما، فيتساوى المعنى بين: «علىّ موجود فى البيت» و «على فى البيت» . هذا إلى أن ظرف المكان وحده بغير ملاحظة عامله المحذوف لا يتمم المعنى الأساسى المراد، و لا يكمل القصد؛ فالمكان إنما يجىء لتكملة معنى، و لا يمكن
[١] بل إن الظرف بنوعيه لا بد أن يدل فى أصله على: «الوجود المطلق» ثم يمتاز «اللغو» بدلالته-فوق هذا-على معنى خاص آخر كالأكل أو الشرب أو غيرهما مما يزاد عليه فيجعله خاصا مقيدا بعد أن كان عاما مطلقا. و سيجىء للموضوع بيان فى باب: «حروف الجر» . عند الكلام على شبه الجملة -رقم ٢ من هامش ص ٤١٣-.