النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ١٥٥ - المسألة ٧١
و يعنينا الآن من تلك المواضع ما يكون فيه المجرور مصدرا مؤولا من حرف
ق-تمرون الديار-توجهت مكة-ذهبت الشام... و هذا نوع قليل جدا-فهو غير مطرد، و قد أوضحنا حكمه بأنه سماعى محض؛ فلا يجوز فى الفعل الذى ورد معه أن ينصب غيره على نزع الخافض، و لا يجوز فى الاسم المنصوب على نزع الخافض أن ينصب على هذه الصورة إلا مع الفعل الوارد معه؛ فلا يجوز: توجهت الحديقة، و لا ذهبت النهر، و لا أشباه هذا، لأن تعدية هذين الفعلين لم ترد عن العرب إلا فى: «مكة» و «الشام» على التوزيع السالف، و كان ورودهما فيهما قليلا جدا فلا يسمح بالقياس.
و مثلهما: مطرنا السهل و الجبل، و ضربت الخائن الظهر و البطن، أى: فى السهل و الجبل-و على الظهر و البطن. و القول بأن هذه الأسماء منصوبة على نزع الخافض أولى من القول بأنها مفعول به، و أن الفعل قبلها نصبها شذوذا، لأن نصبها على المفعولية مباشرة و لو على وجه الشذوذ-قد يوحى-خطأ-أن الفعل قبلها متعد بنفسه؛ و أن المعنى لا يحتاج إلى المحذوف؛ فيقع فى الوهم إباحة تعديته مباشرة فى غيرها لكن إذا قلنا: «منصوبة على نزع الخافض» كان هذا إعلانا صريحا عن حرف جر محذوف، نصب بعده المجرور؛ فيكون النصب دليلا على ذلك لا يستقيم المعنى إلا بملاحظته، و تقدير وجوده.
و من هذا النوع المنصوب سماعا ما نصب على نزع الخافض للضرورة.
ب-نوع يحذف و ينصب بعده المجرور أيضا، و لكن على اعتباره مفعولا به مباشرة-للعامل الذى يطلبه؛ كالحروف التى يكثر استخدامها فى تعدية بعض الأفعال؛ فتجر الأسماء بعدها. و كذلك يكثر حذفها بعد تلك الأفعال؛ فتنتصب الأسماء بعد حذفها؛ مثل الفعل: «دخل» فقد استعملته العرب كثيرا متعديا بالحرف: «فى» ؛ مثل: دخلت فى الدار. و كذلك استعملته بغير «فى» و نصبت ما بعده فقالت: دخلت الدار، و لم تقتصر فى حالة وجوده أو حذفه على كلمة «الدار» بل أكثرت من غيرها، مثل: المسجد-الغرفة-الخيمة-القصر-الكوخ-فكثرة استعمال الفعل بغير حرف الجر، و وقوع تلك الأسماء المختلفة بعده منصوبة مع عدم وجود عامل آخر-كل ذلك يدعو إلى الاطمئنان أن تلك الأسماء المنصوبة هى مفعولات للفعل الموجود، و أن هذا الفعل نصبها مباشرة؛ فلا حاجة إلى اعتبارها منصوبة على نزع الخافض-كما يرى بعض النحاة دون بعض-لما فى هذا من العدول عن الإعراب الواضح، المساير لظواهر الألفاظ و معانيها-إلى الإغراب، و التعقيد من غير داع.
و معنى ما سبق أن الفعل: «دخل» يعد من الأفعال التى تتعدى بنفسها تارة و بحرف الجر أخرى، فهو: مثل: شكر-نصح-حيث تقول فيهما: شكرت للّه على ما أنعم، و نصحت للغافل بأن يشكره، أو: شكرت اللّه على ما أنعم، و نصحت الغافل بأن يشكره. و هذا النوع هو الذى وصفناه أول هذا الباب- عند تقسيم الفعل التام إلى متعد و لازم، ص ١٤٥-بأنه قسم مستقل بنفسه يسمى: الفعل الذى يستعمل لازما و متعديا. و هذا النوع يطرد فيه النصب مع حذف حرف الجر كما يطرد الجر مع ذكر الحرف.
حـ-نوع يحذف فيه الحرف قليلا مع بقاء مجروره على حاله من الجر، كما كان قبل حذف الجار و هذا النوع القليل مقصور على السماع لا محالة؛ فلا يجوز التوسع فيه بجر كلمات غير الكلمات التى وردت عن العرب كقولهم: «لاه ابن عمك» ... (أى: للّه ابن عمك) . فقد حذفت اللام و بقى مجرورها؛ فلا يجوز عند حذفها وضع مجرور آخر؛ كأن يقال: المجد أنت-العمل النافع أخوك. تريد: للمجد أنت- للعمل النافع أخوك، فهذا-و أشباهه-مما لا يصح. و من هذا المسموع القليل حذف «الباء» ، أو «على» ، مع بقاء مجرورها فى قول أعرابى سئل: كيف أصبحت؟فأجاب: «خير و الحمد للّه» أى: -