التنقيح في شرح العروة الوثقى - الغروي، الشيخ علي - الصفحة ٢٧٩ - فصل في ماء الحمام
..........
أن ماء الحمام كالجاري من جميع الجهات و الكيفيات. و لا تعتبر الكثرة في اعتصام المادة بوجه كما أسلفناه سابقا، بل قد تكون رشحية كما في بعض الآبار و لا يكون فيها فوران أصلا، لأنها رطوبات أرضية تجتمع و تكون ماء.
و الجواب عن ذلك أن الصحيحة المتقدمة، أو رواية بكر، على تقدير اعتبارها غير ناظرتين الى تنزيل ماء الحمام منزلة الجاري من جميع الجهات، بل نظرهما الى دفع ما ربما يقع في ذهن السائل من عدم اعتصام ماء الحياض باتصالها بمادتها، لما ارتكز عندهم من عدم تقوى السافل بالعالي لتعددهما و تغايرهما عرفا، و معه لا يبقى وجه لاعتصام ماء الحياض و توضيح ذلك:
أنا قدمنا في بعض المباحث المتقدمة أن العالي لا ينفعل بانفعال الماء السافل، لأن العالي و السافل و ان كانا متحدين عقلا لاتصالهما و هو مساوق للوحدة بالنظر الدقي العقلي، حيث أن المتصل جسم واحد عقلا إلا أن الأحكام الشرعية غير منوطة بالنظر الدقي الفلسفي، بل المتبع فيها هو الانظار العرفية، و العرف يرى العالي غير السافل و هما ماءان متعددان عنده، و من هنا لا يحكم بنجاسة العالي فيما إذا لاقي السافل نجسا حتى في المضاف كماء الورد إذا صب من إبريق على يد الكافر مثلا، فإنه لا يحكم بنجاسة ما في الإبريق لأجل اتصاله بالسافل المتنجس بملاقاة يد الكافر، و أدلة انفعال القليل منصرفة عن مثله، لعدم ملاقاة العالي للنجاسة عرفا، و بالجملة انهما ماءان، فكما لا تسرى قذارة السافل الى العالي منهما كذلك نظافة العالي لا تسري الى السافل لتعددهما بالارتكاز.
و على و هذا كان للسائل أن يتوهم عدم طهارة المياه الموجودة في الحياض الصغار بمجرد اتصالها بموادها الجعلية التي هي أعلى سطحا من الحياض فإنهما ماءان، و لا سيما عند جريان الماء من الأعلى إلى الأسفل، و لعل هذا هو المنشأ لسؤالهم عن حكم ماء الحياض.