التنقيح في شرح العروة الوثقى - الغروي، الشيخ علي - الصفحة ٢١ - تزييف الاستدلال
..........
في ذلك: أن الطهور و الطهارة مما لم تثبت له حقيقة شرعية و لا متشرعية في زمان نزول الآيتين، و لم يعلم أن المراد من الطهور هو المطهر من النجاسات و لم يظهر أنه بمعنى الطهارة المبحوث عنها في المقام.
و لعل المراد منها ان اللّٰه منّ عليكم بخلق الماء و جعله طاهرا عن الكثافات المنفرة، و مطهرا من الأقذار العرفية، فإن الإنسان ليس كالحيوان بحيث لو لم ير الماء شهرا أو شهورا متمادية لا يكون موردا للتنفر عرفا، و لا يستقذره العقلاء بل هو يحتاج في تنظيف بدنه، و لباسه، و أوانيه، و غيرها إلى استعمال ماء طهور، فهو طاهر في نفسه و مطهر عن الأقذار.
و قد جعله اللّٰه تعالى كذلك من باب الامتنان، إذ لولاه لوقع الإنسان موقع التنفر و الاستقذار. فالآية ناظرة إلى بيان هذا المعنى، لا بمعنى أن الماء مطهر من النجاسات المصطلحة- المبحوث عنها في المقام- لعدم ثبوت الحقيقة الشرعية، و المتشرعية في شيء من الطهارة و الطهور.
بل و لعل أحكام النجاسات لم تكن ثابتة في الشريعة المقدسة حين نزول الآيتين أصلا، حيث أن تشريع الأحكام كان على نحو التدريج لا محالة.
و يؤيد ذلك أن الآيات القرآنية لم تشتمل على شيء من عناوين النجاسات و قذارتها إلا في خصوص المشركين، لقوله تعالى إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلٰا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرٰامَ [١] على أن فيه أيضا كلاما في أن المراد بالنجس هل هو النجاسة الظاهرية المصطلحة، أو انه بمعنى النجاسة المعنوية و قذارة الشرك؟ كما يناسبها تفريعه تعالى بقوله فَلٰا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرٰامَ فان النجس الظاهري لا مانع من دخوله و إدخاله المسجد على المعروف كما يأتي في محله.
و كيف كان فلا دلالة في الآيتين على المطلوب. أجل لا نضايق من إلحاق النجاسة الحدثية. أعني الجنابة بالاقذار العرفية في دلالة الآية على
[١] التوبة ٩: ٢٨.