التنقيح في شرح العروة الوثقى - الغروي، الشيخ علي - الصفحة ١٦ - «الجهة الأولى»
..........
من الأحكام الوضعية التي اعتبرها، و جعلها في حق المكلفين فهي مما لا يعقل اتصافه بالأشدية و الأقووية كما ذكرناه في بحث الأحكام الوضعية. فلا يصح ان يقال ان ملكك بالدار أشد من ملكك بالكتاب، أو ان حكم الشارع بالطهارة في هذا الشيء أشد من حكمه بها في الشيء الآخر: فان الشارع إن حكم فيهما بالطهارة، أو بالملكية فهما على حد سواء، و إلا فلا طهارة و لا ملكية في البين أصلا. ففي الأمور الاعتبارية لا معنى للاتصاف بالشدة و الضعف، بل الأمر فيها يدور دائما بين الوجود و العدم، و النفي و الإثبات و عليه فلا يعقل استعمال الطهور في الآية بمعنى المبالغة.
و توهّم ان شدة الطهارة في الماء باعتبار أنه لا ينفعل بملاقاة النجس ما لم يتغير: يدفعه. «أولا»: ان هذا مما يختص ببعض افراد المياه، و لا يعم جميعها، مع ان الطهور وصف لطبيعي الماء اين ما سرى و «ثانيا» ان استعمال لفظ الطهور لو كان بلحاظ عدم الانفعال بملاقاة النجس لصح حمله على البواطن، بل على ظاهر الحيوان أيضا، على قول مع أنه من الاغلاط.
و مما يدلنا على ما ذكرناه: ما ورد في الاخبار من ان التراب أحد الطهورين [١] فإنه لو أريد من الطهور فيها ما هو طاهر في نفسه لما صح هذا الاستعمال قطعا، فإن سائر الأجسام أيضا من أحد الطاهرات كالخشب و المدر فما وجه تخصيصه التراب و الماء بذلك؟ كما هو الحال أي لا يصح الاستعمال المذكور فيما لو أريد منه المبالغة، لأن التراب نظير غيره من الأجسام، و ليس فيها أشدية في الطهارة كما لا يخفى.
أضف الى ذلك كله ما في بعض الروايات [٢] من ان التيمم طهور
[١] كما ورد مضمونه في صحيحة محمد بن حمران، و جميل بن دراج جميعا عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) المروية في الباب ٢٣ من أبواب التيمم من الوسائل.
[٢] ورد مضمون ذلك في صحيحتي زرارة المروية في الباب ٢١ من أبواب التيمم و محمد بن مسلم المروية في الباب ١٤ من أبواب التيمم من الوسائل.