من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٦٦ - النسيء زيادة في الكفر
هنا: أن النسيء ليس زيادة في الكفر فقط بل هو سبب للضلالة والانحراف ايضا يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا إنهم كانوا يحلون ذات الشهر مثلًا: (شهر ذي الحجة) في هكذا العام بينما يحرمونه في العام الآخر حسب خططهم الحربية، وهكذا كانوا يتلاعبون بالشرائع والقوانين.
يُحِلُّونَهُ عَاماً يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ أي ليجعلوا الأشهر الحرم أربعة كما قال الله تعالى، ولكن بعد تغيير محتواه حسب أهوائهم.
فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ زين لهم الإعتداء، حتى غيروا أحكام الله من أجله، وهكذا لو جعل الفرد هدفه غير مرضاة الله وغير أحكام الله للوصول اليه وبرر فعلته الإجرامية، بأن الغاية تبرر الوسيلة.
بيد أن العملية كلها تسبب الضلالة والجحود لأن القلب البشري الذي يستهدف الوصول إلى مطامع ذاتية لا يبحث عن الحقيقة، فلا يهتدي اليها وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ذلك لأن الكفر- وهو هنا المخالفة العملية للواجبات- يؤثر على العقل فيسلب منه نور المعرفة.
[٣٨] قلنا أن أهم شيء يحدد فكر البشر وسلوكه هو هدفه الذي زين له فعشق الوصول إليه فإذا كان هدفه الله واليوم الآخر فإنه كما السائق الرشيد يقود سائر العجلات والأجهزة في سيارة الحياة على الطريق السليم وإلا فان كل العجلات تسير في طريق الإنحراف والهلاك. وهكذا ضل الكافرون ضلالًا، وهكذا يضل المؤمنون إذا لم يحذروا ويتقوا ويخلصوا أهدافهم، فلو كان هدف الفرد المتعة في اللحياة الدنيا لترك الجهاد في سبيل الله خوف الموت، وتثاقل عن تنفيذ أوامر الله يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أي تثاقلتم وتباطأتم، وبررتم بتبريرات هدفها تأخير الحرب، مرة تقولون: الآن وقت الحر القائض، أفلا ننتظر حتى يعتدل الجو، ومرة تقولون: البرد شديد فلننتظر قليلا حتى تخف وطأته، ومرة تبررون بعدم الإستعداد الكافي للمعركة.
والنفور والتحرك في سبيل الله لا يختص بالحروب. اذ كل سعي نفر كما جاء: (النفر: الخروج إلى الشيء لأمر هيج عليه. ومنه نفور الدابة) [١].
ومما يؤسف له أن الكثير منا يبطىء العمل في سبيل الله بحجة أو بأخرى، والحجج كلها باطلة والسبب الحقيقي كامن في حب الدنيا.
[١] مجمع البيان: ج ٥ ص ٤١.