من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٣٣ - التكذيب سنة اجتماعية
التكذيب سنة اجتماعية
[٩٨] يبقى أن نعرف: إن ذلك ليس قدراً مقضيًّا عليهم بل سنة اجتماعية، والفرق بين القدر والسنة، إن القدر كطلوع الشمس من مشرقها في وقتها لا يخضع أبداً لإرادة البشر، بينما السنة كما التمرد ضد الظلم، وسقوط الطاغوت، قد يتقدم أو يتأخر، أو حتى لا يقع إذا أراد الإنسان، فقد لا يقرر المجتمع المضطهد التمرد ضد جلاديه، وقد يغير الطاغوت عاداته الظالمة في الوقت المناسب فيمدد في أجله، وهكذا جحود الظالمين وكفر المكذبين بآيات الله ليس قدراً، بل سنة، فمن الممكن عقلًا أن يدور المرء مائة وثمانين درجة باتجاه الصلاح كما فعل قوم يونس، ولكن لا يقع ذلك عادة بسبب تكبر الفاسقين وتعاليهم عن التوبة إلا بعد فوات الوقت.
فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا أي لماذا لم يقدم هؤلاء إيمانهم في الوقت المناسب؟ لماذا لم يتب الطاغوت حين رأى تململا اجتماعيا، بل أخذته العزة بالإثم، حتى أصبح التململ تمرداً عارماً؟ ولماذا لم يتب الشعب المتوغل في الفساد الخلقي، وفي ظلم بعضهم لبعض، حين رأوا نقصا في الثمرات، وتدهورا في الاقتصاد، وفي الصحة العامة، بل استمروا في غيهم حتى انهار اقتصادهم وصحتهم تماما؟!.
إن هذا التحريض القرآني الشديد يدل
أولًا: على إمكانية تحول الفرد والمجتمع تحولا جذريًّا قبل فوات الأوان.
ثانياً: إنه يدل على الصعوبة البالغة لهذا التحول، مما يقتضي التحريض بكلمة عنيفة وهي لَوْلا.
أجل إن قوم يونس ضربوا مثلًا رائعاً في هذا التحول، الذي ينبغي أن يكون قدوة للمجتمعات الضالة التي يعبر عنها القرآن الحكيم عادة بكلمة قَرْيَةٌ.
إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ إلى أن انتهى أجلهم الطبيعي الذي حدده الله لهم، فالأمم كما الأفراد ينتهون بطريقتين: إما بصورة طبيعية كحالة الشيخوخة، وأما بسوء أعمالهم كحالة القتل في الفرد، والإضطراب في الأمة.
وقد سميت هذه السورة باسم يونس لأهمية التحول الاجتماعي الذي حدث عند قومه فليس من السهل أن يستيقظ مجتمع مسترسل في الفساد، سادر في الميوعة واللامبالاة مرة واحدة، ويعود إلى رشده الأولي.
وجاء في حديث الصادق عليه السلام عن قصة قوم يونس
(وَكَانَ فِيهِمْ رَجُلَانِ (عَابِدٌ)