من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٤٩ - بينات من الآيات المجاهد يتحدى الضغوط الاجتماعية
وإذا عرفنا مدى أهمية الأسرة في الحياة العربية قبل الإسلام، نعرف مدى الخلوص الرسالي الذي بلغه المسلمون ذلك اليوم حتى حققوا الانتصار الكبير.
وقد عبر الامام أبو جعفر عليه السلام، عن هذا الخلوص الرسالي، بقوله
(لَا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ الله وَلِيجَةً [١] فَلَا تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ فَإِنَّ كُلَّ سَبَبٍ ونَسَبٍ وقَرَابَةٍ ووَلِيجَةٍ وبِدْعَةٍ وشُبْهَةٍ مُنْقَطِعٌ إِلَّا مَا أَثْبَتَهُ الْقُرْآنُ) [٢].
إن كل ولاء يجب أن يكون في إطار قيم الإسلام، وإلا فإن الإنتماء الإسلامي يكون ضعيفاً أو مرفوضاً وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.
[٢٤] ليس الولاء الأسري فقط حاجزاً دون الولاء الرسالي، بل كل صلة تقف حاجزاً أمام العلاقة الإسلامية يجب فكها وجعلها صلة ثانوية قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أي من الولاء الخالص لله وللقيادة الرسالية المتمثلة بالرسول في عهده، وبخلفائه من بعده، وهذا الولاء يتجسد عمليًّا في الجهاد وهو بذل كلما يستطيعه المرء في سبيل تحقيق أهداف الرسالة، لذلك خصصه القرآن بالذكر قائلا وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا وانتظروا فإن هذا المجتمع الراكع للضغوط ليس أبداً مجتمعاً رساليًّا، بل ولا مجتمع مسلم حقاً، ولذلك لابد من إنتظار الكارثة.
حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وقد تكون الكارثة المتمثلة في الخلافات الداخلية التي تنتهي إلى الصراعات الجانبية المنطلقة من المحوريات الذاتية التي تمنع تكون المجتمع الموحد، ومن الحزبيات الضيقة التي تفتت الوحدة السياسية الرصينة، ومن الوطنيات الزائفة التي تحطم كيان الأمة الواحدة، ذات القيادة الرسالية.
وكلما ضعفت الأمة كلما خسرت معاركها الحضارية مع التخلف أو مع الأمم المنافسة كما نرى اليوم في الأمة الإسلامية التي بالرغم من ان عدد ابنائها يتجاوز الألف مليون، فان المحوريات الذاتية تمنع من تكون الوحدة التنظيمية الرسالية، وبالتالي من تكون الوحدات السياسية الفعالة.
والآن نجد الأمة الإسلامية موزعة في أكثر من خمسة وسبعين دولة أو دويلة، وكل يبني جيشه وثقافته على أساس تعميق التجزئة، وتكريس الإنفصال، لذلك يسهل على الأجنبي أن
[١] إشارة إلى قوله تعالى: وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً [التوبة ١٦].
[٢] الكافي: ج ١ ص ٥٩.