الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٩٣ - احكم بالعدل و لا تتّبع هوى النفس
العالم من دون هدف، فالعالم هذا مقدّمة لعالم آخر أكبر و أوسع من عالمنا هذا، و هو أبدي و خالد يوضّح الأهداف الحقيقيّة وراء خلق عالم الدنيا.
الآية التالية تضيف: أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ [١].
كما أنّ عدم وجود هدف من خلق العالم يعدّ أمرا مستحيلا، فمن المستحيل أيضا المساواة بين الصالحين و الطالحين، لأنّ المجموعة الاولى كانت تخطو خطواتها وفق أهداف خلق العالم للوصول إلى الغاية النهائية، بينما كانت المجموعة الثانية تسير باتّجاه مخالف لمسير المجموعة الاولى.
الواقع أنّ بحث المعاد بكافّة أبعاده قد تمّ تناوله في هذه الآية و الآية التي سبقتها بشكل مستدلّ.
فمن جهة تقول: إنّ حكمة الخالق تقتضي أن يكون لخلق العالم هدف، و هذا الهدف لا يتحقّق بعدم وجود عالم آخر، لأنّ الأيّام القلائل التي يعيشها الإنسان في هذه الدنيا لا قيمة لها بالنسبة للهدف الرئيسي الكامن وراء خلق هذا العالم الواسع.
و من جهة اخرى، فإنّ حكمة و عدالة الباري عزّ و جلّ تفرض أن لا يتساوى المحسن و المسيء و العادل و الظالم، و لهذا كان البعث و الثواب و العقاب و الجنّة و النار.
و بغضّ النظر عن هذا، فعند ما ننظر إلى ساحة المجتمع الإنساني في هذه الدنيا نشاهد الفاجر في مرتبة المؤمن، و المسيء إلى جانب المحسن، و لربّما في أكثر الأحيان نرى المفسدين المذنبين يعيشون في حالة من الرفاه و التنعّم أكثر من غيرهم، فإذا لم يكن هناك عالم آخر بعد عالمنا هذا لتطبيق العدالة هناك، فإن
[١]- بعض المفسّرين قالوا: إنّ (أمّ) هنا تعطي معنى (بل) للاضراب، و هنا احتمال آخر يقول: إنّ (أم) جاءت للعطف على استفهام محذوف، و تقدير الآية هو (أ خلقنا السموات و الأرض باطلا أم نجعل المتّقين كالفجّار؟).