الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٨٩ - احكم بالعدل و لا تتّبع هوى النفس
وضحت مقامه الرفيع، إذ تقول: يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَ لا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ.
محتوى هذه الآية التي تتحدّث عن مقام داود الرفيع و الوظائف المهمّة التي كلّف بها، تبيّن أنّ القصص الخيالية و الكاذبة التي نسجت بشأن زواج داود من زوجة (أوريا) كلّها كاذبة و لا أساس لها من الصحّة.
فهل يمكن أن ينتخب الباري عزّ و جلّ شخصا ينظر إلى شرف المؤمنين و المقرّبين منه بعين خؤونة و يلوّث يده بدم الأبرياء- خليفة له في الأرض، و يمنحه حكم القضاء المطلق؟! هذه الآية تضمّ خمس جمل كلّ واحدة منها تتحدّث عن حقيقة معيّنة:
الاولى: خلافة داود في الأرض، فهل المقصود منها خلافته للأنبياء السابقين، أمّ أنّها تعني خلافة اللّه؟ المعنى الثاني أنسب و يتطابق مع ما جاء في الآية (٣٠) من سورة البقرة: وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً.
بالطبع فإنّ المعنى الواقعي للخلافة لا يتعلّق باللّه، لأنّه يأتي في مورد وفاة شخص أو غيابه، و المراد من الخلافة هنا هو أن يكون نائبا للّه بين العباد، و المنفّذ لأوامر اللّه سبحانه و تعالى في الأرض. هذه الجملة تبيّن أنّ الحكومة في الأرض يجب أن تستلهم شرعيّتها من الحكومة الإلهيّة، و أي حكومة لا تستلهم شرعيتها من الحكومة الإلهيّة فإنّها حكومة ظالمة و غاصبة.
الجملة الثانية: تأمر داود قائلة: بعد أن منحك اللّه سبحانه و تعالى هذه النعمة الكبيرة، أي الخلافة، فإنّك مكلّف بأن تحكم بين الناس بالحقّ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِ.
و في واقع الأمر فإنّ إحدى ثمار خلافة اللّه هي ظهور حكومة تحكّم بالحقّ، و من هذه الجملة يمكن القول أنّ حكومة الحقّ تنشأ- فقط- عن خلافة اللّه، و أنّها