الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٦٢ - أ- برهان الحكمة
و حينما نبلغ درجة منه بعد اشتعال الرأس شيبا يستقبلنا الموت.
ثمّ لأجل ماذا نعيش؟ الأكل و اللبس و النوم و الاستيقاظ المتكرّر يوميا، و استمرار هذا البرنامج المتعب لعشرات السنين، لماذا؟
فهل حقّا إنّ هذه السماء المترامية الأطراف و هذه الأرض الواسعة، و كلّ هذه المقدّمات و المؤخّرات و كلّ هؤلاء الأساتذة و المعلّمين و المربّين و كلّ هذه المكتبات الضخمة و كلّ هذه الأمور الدقيقة و الأعمال التي تداخلت في خلقنا و خلق باقي الموجودات، كلّ ذلك لمجرّد الأكل و الشرب و اللبس و الحياة المادية هذه؟
هنا يعترف الذين لا يعتقدون بالمعاد بتفاهة هذه الحياة، و يقدم بعضهم على الانتحار للتخلّص من هذه الحياة الخاوية، بل قد يفتخر به.
و كيف يمكن لمن يؤمن باللّه و بحكمته المتعالية أن يعتبر هذه الحياة الدنيا وحدها بدون ارتباطها بحياة اخرى ذات قيمة و ذات شأن؟
يقول تعالى: أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَ أَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ [١]. أيّ أنّه لو لم يكن رجوع بعد هذه الدنيا إلى اللّه، فإنّ الحياة في هذه الدنيا ليست سوى عبث في عبث.
نعم فإنّ الحياة في هذه الدنيا تجد معناها و يكون لها مفهوما ينسجم مع حكمة اللّه سبحانه و تعالى عند ما تعتبر هذه:
«الدنيا مزرعة للآخرة»
و
«الدنيا قنطرة»
و مكان تعلّم، و جامعة للاستعداد للعالم الآخر و متجر لذلك العالم، تماما كما
يقول أمير المؤمنين علي (عليه الصلاة و السلام) في كلماته العميقة المعنى «إنّ الدنيا دار صدق لمن صدقها، و دار عاقبة لمن فهم عنها، و دار غنى لمن تزوّد منها، و دار موعظة لمن اتّعظ بها، مسجد أحبّاء اللّه، و مصلّى ملائكة اللّه، و مهبط وحي اللّه،
[١]- المؤمنون، ١١٥.