الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٧٤ - الغفلة الدائمة
احتمل المفسّرون عدّة وجوه:
الأوّل: أنّه يعود على «أصحاب القرية» الذين تحدّثت الآيات السابقة حولهم.
و الثاني: أنّه يعود على «أهل مكّة» الذين نزلت هذه الآيات لتنبيههم.
و لكن يستدلّ من الآية السابقة يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ... على أنّ المقصود هو جميع البشر، إذ أنّ كلمة «العباد» في الآية المذكورة تشمل جميع البشر على طول التاريخ، الذين ما إن جاءهم الأنبياء حتّى هبّوا لمخالفتهم و تكذيبهم و الاستهزاء بهم، و على كلّ حال فهي دعوة لجميع البشر بأن يتأمّلوا في تأريخ القدماء، و يعتبروا من آثارهم التي خلّفوها، بفتح قلوبهم و بصائرهم.
في آخر الآية يضيف تعالى: أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ [١].
أي أنّ المصيبة الكبرى في استحالة رجوعهم إلى هذه الدنيا لجبران ما فاتهم و تبديل ذنوبهم حسنات، لأنّهم دمّروا كلّ الجسور خلفهم، فلم يبق لهم سبيل للرجوع أبدا.
هذا التّفسير يشبه بالضبط ما
قاله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه أفضل الصلاة و السلام) حينما تحدّث في أخذ العبرة من الموتى فقال: «لا عن قبيح يستطيعون انتقالا و لا في حسن يستطيعون ازديادا». [٢]
و تضيف الآية التالية وَ إِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ [٣].
أي أنّ المسألة لا تنتهي بهلاكهم و عدم استطاعتهم العودة إلى هذه الدنيا، كلّا فانّ الموت في الحقيقة بداية الشوط و ليس نهايته، فعاجلا سيحضر الجميع في
[١]- هذه الجملة بدل عن «كم أهلكنا» و التقدير «ألم يروا أنّهم إليهم لا يرجعون» البعض احتمل أيضا أنّ الجملة حالية (حال الهالكين).
[٢]- نهج البلاغة، خطبة ١٨٨.
[٣]- المعروف بين المفسّرين حول تركيب هذه الآية: «إنّ» نافية. و البعض قال: إنّها مخفّفة لذا فإنّها لا تنصب ما بعدها، و «لمّا» بمعنى «إلّا»، بلحاظ أنّ ذلك ورد في كلام العرب، و (جميع) بمعنى «مجموع» خبر «كلّ» (تنوين كل) بدل عن مضاف إليه محذوف تقديره «هم» و الأصل «كلّهم») و «محضرون» إمّا خبر بعد خبر، أو صفة ل «جميع» و على ذلك تكون الجملة في التقدير هكذا «و ما كلّهم إلّا مجموعون يوم القيامة محضرون لدينا».