الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٥ - شرح برهان الإمكان و الوجوب «الفقر و الغنى»
يمدّوا يد الحاجة إلى غيره، و لا يضعوا طوق العبودية لغير اللّه في أعناقهم، و أن يتحرّروا من كلّ تعلّق آخر، و يعتمدوا على همّتهم، و بهذه النظرة الشمولية يرى المؤمنون أنّ كلّ موجود في هذا العالم إنّما هو من أشعّة وجوده تعالى، و أن لا ينشغلوا عن (مسبّب الأسباب) بالأسباب ذاتها.
جمع من الفلاسفة عدّوا هذه الآية إشارة إلى البرهان المعروف «الإمكان و الفقر» أو «الإمكان و الوجوب» لإثبات واجب الوجود، مع أنّ الآية ليست في مقام بيان الاستدلال على إثبات وجود اللّه، بل إنّها شرح لصفاته تعالى، و لكن يمكن اعتبار البرهان المذكور من لوازم مفاد هذه الآية.
شرح برهان الإمكان و الوجوب «الفقر و الغنى»:
إنّ جميع الموجودات التي نراها في هذا العالم كانت كلّها ذات يوم «عدما»، ثمّ اكتست بلباس الوجود، أو بتعبير أدقّ: كان يوم لم تكن شيئا فيه، ثمّ صارت وجودا، و هذا بحدّ ذاته دليل على أنّها معلولة في وجودها لوجود آخر، و ليس لها وجود من ذاتها.
و نعلم بأنّ أي وجود معلول، مرتبط و قائم بعلّته و كلّه احتياج، و إذا كانت تلك (العلّة) أيضا معلولة لعلّة اخرى فإنّها بدورها ستكون محتاجة، و لو تسلسل هذا الأمر إلى ما لا نهاية فسوف تكون الحصيلة مجموعة من الموجودات المحتاجة الفقيرة، و بديهي أنّ مجموعة كهذه لن يكون لها وجود أبدا، لأنّ منتهى الاحتياج احتياج، و منتهى الفقر فقر، و ما لا نهاية له من الأصفار لا يمكن أن يحصل منه أي عدد، كما أنّه ممّا لا نهاية له من المرتبطات بغيرها لا تنتج أي حالة استقلال.
من هنا نستنتج أنّنا في النهاية يجب أن نصل إلى وجود قائم بذاته، و مستقل من جميع النواحي، و هو علّة لا معلول، و هو واجب الوجود.
هنا يثار السؤال التالي: لماذا تتعرّض الآية أعلاه للإنسان و حاجته إلى اللّه