الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٤٦ - تخاصم أهل النّار
إيّاهم كان باطلا.
و تضيف الآيات نقلا عن أهل جهنّم: أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ.
نعم، إنّنا كنّا نسخر من هؤلاء الرجال العظماء ذوي المقام الرفيع، و نصفهم بالأشرار، و أحيانا نصفهم بأوصاف أدنى من ذلك، و نعتبرهم أناسا حقراء لا يستحقّون أن ننظر إليهم، و لكن اتّضح لنا الآن أنّ جهلنا و غرورنا و أهواءنا هي التي أسدلت على أعيننا ستائر حجبت الحقيقة عنّا، فهؤلاء كانوا من المقربين للّه و مكانهم الآن في الجنّة.
مجموعة من المفسّرين ذكروا تفسيرا آخر لهذه الآية، إذ قالوا: إنّ مسألة سخريتهم إشارة إلى أحوالهم في عالم الدنيا، و جملة أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ إشارة إلى أحوالهم في جهنّم، و تعني هنا أنّ أبصارنا في هذا المكان و بين هذه النيران و الدخان لا يمكنها رؤيتهم. و لكن المعنى الأوّل أصحّ.
و من الضروري الالتفات إلى أنّ أحد أسباب عدم إدراك الحقائق هو عدم أخذها بطابع الجدّ إضافة إلى الاستهزاء بها، إذ يجب على الدوام مناقشة الحقائق بشكل جدّي للوصول إليها.
ثمّ تخرج الآية الأخيرة بالنتيجة التي تمخّض عنها الجدال بين أهل جهنّم، و تؤكّد على ما مضى بالقول: إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ [١].
فأهل جهنّم مبتلون في هذه الدنيا بالخصام و النزاع و الحروب. فالنزاع و الجدال يتحكّم بهم، و في كلّ يوم يتخاصمون مع هذا و ذاك.
و في يوم القيامة، ذلك اليوم الذي تبرز فيه الأسرار و ما تخفيه الصدور، تراهم يتنازعون فيما بينهم في جهنّم، فأصدقاء الأمس أعداء اليوم، و التابعون في الأمس صاروا معارضين اليوم، و يبقى- فقط- خطّ التوحيد و الإيمان، خطّ
[١]- (تخاصم أهل النار) بيان ل (ذلك).