الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٨٦ - آراء المفسّرين
اللعبة كان قتله، فقد غضب و صمّم على الانتقام منهما، و لم يمض إلّا وقت قصير حتّى ندم داود على تصميمه هذا و استغفر اللّه [١].
يقول العلّامة الطباطبائي في تفسير الميزان (و أكثر المفسّرين تبعا للروايات إنّ هؤلاء الخصم الداخلين على داود عليه السّلام كانوا ملائكة أرسلهم اللّه سبحانه إليه ليمتحنه، و ستعرف حال الروايات لكن خصوصيات القصّة كتسوّرهم المحراب و دخولهم عليه دخولا غير عادي بحيث أفزعوه، و كذا تنبّهه بأنّه إنّما كان فتنة من اللّه له و ليس واقعة عادية، و قوله تعالى بعد: فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَ لا تَتَّبِعِ الْهَوى الظاهر في أنّ اللّه ابتلاه بما ابتلي لينبّهه و يسدّده في خلافته و حكمه بين الناس، كلّ ذلك يؤيّد كونهم من الملائكة و قد تمثّلوا في صورة رجال من الإنس.
(و المقصود من التمثّل هو عدم وجود هؤلاء الأشخاص واقعا و في الخارج، بل أنّ ذلك انعكس في ذهن داود و في إدراكه).
و على هذا فالواقعة تمثّل فيه الملائكة في صورة متخاصمين لأحدهما نعجة واحدة، يسألها آخر له تسع و تسعون نعجة، و سألوه القضاء فقال لصاحب النعجة الواحدة: (لقد ظلمك) إلخ و كان قوله عليه السّلام- لو كان قضاء منجزا- حكما منه في ظرف التمثّل، كما لو كان رآهم فيما يرى النائم فقال لهم ما قال و حكم فيهم بما حكم، و من المعلوم أن لا تكليف في ظرف التمثّل، كما لا تكليف في عالم الرؤيا و إنّما التكليف في عالمنا المشهود، و هو عالم المادّة، و لم تقع الواقعة فيه، و لا كان هناك متخاصمان و لا نعجة و لا نعاج إلّا في ظرف التمثّل، فكانت خطيئة داود عليه السّلام في هذا الظرف من التمثّل و لا تكليف هناك، كخطيئة آدم عليه السّلام في الجنّة من أكل الشجرة قبل الهبوط إلى الأرض و تشريع الشرائع و جعل التكاليف، و استغفاره و توبته ممّا صدر منه كاستغفار آدم و توبته ممّا صدر منه، و قد صرّح اللّه بخلافته في
[١]- تفسير (الفخر الرازي) و (روح المعاني) ذكرا هذا الأمر كتوجيه و إرشاد، فيما وافق (المراغي) في تفسيره على هذا الأمر.