الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٧٥ - داود و الامتحان الكبير
إلّا أنّهما عمدا بسرعة إلى تطييب نفسه و إسكان روعه، و قالا له: لا تخف نحن متخاصمان تجاوز أحدنا على الآخر قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ.
فاحكم الآن بيننا و لا تتحيّز في حكمك و أرشدنا إلى الطريق الصحيح فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَ لا تُشْطِطْ وَ اهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ.
«تشطط» مشتقّة من (شطط) على وزن (فقط)، و تعني البعيد جدّا، و لكون الظلم و الطغيان يبعدان الإنسان كثيرا عن الحقّ، فكلمة (شطط) تعني الابتعاد عن الحقّ، كما تطلق على الكلام البعيد عن الحقيقة.
من المسلّم به أنّ قلق و روع «داود» قلّ بعض الشيء عند ما وضّح الأخوان هدف مجيئهما إليه، و لكن بقي هناك سؤال واحد في ذهنه هو، إذا كنتما لا تكنّان السوء، فما هو الهدف من مجيئكما إليّ عن طريق غير مألوف؟
و لذلك تقدّم أحدهما و طرح المشكلة على داود، و قال: هذا أخي، يمتلك (٩٩) نعجة، و أنا لا أمتلك إلّا نعجة واحدة، و إنّه يصرّ عليّ أن أعطيه نعجتي ليضمّها إلى بقيّة نعاجه، و قد شدّد عليّ في القول و أغلظ إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَ تِسْعُونَ نَعْجَةً وَ لِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَ عَزَّنِي فِي الْخِطابِ.
«النعجة» هي الأنثى من الضأن. و قد تطلق على أنثى البقر الوحشي و الخراف الجبلية.
«أكفلنيها» مشتقّة من الكفالة، و هي هنا كناية عن التخلّي (و معنى الجملة اجعلها لي و في ملكيتي و كفالتي، أي امنحني إيّاها).
«عزّني» مشتقّة من (العزّة) و تعني التغلّب، و بذا يكون معنى الجملة إنّه تغلّب عليّ.
و هنا التفت داود عليه السّلام إلى المدّعي قبل أن يستمع كلام الآخر (كما يوضّحه ظاهر الآية) و قال: من البديهي أنّه ظلمك بطلبه ضمّ نعجتك إلى نعاجه قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ