الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٧٠ - تعلّم من داود
حال كلّ مخلوق، و نظام خلقهم يقول: إنّ اللّه خال من العيوب و النقص، و إنّه مقدّس و منزّه و عالم و قادر، و يمتلك كافّة صفات الكمال.
و لكن هذا المعنى لا يختصّ بداود حتّى يعدّ من مناقبه، و لهذا فإنّ التّفسير الثاني يعدّ أنسب، و ما ذكر فيه غير مستبعد قياسا بقدرة اللّه.
فالمناجاة موجودة داخل جميع مخلوقات الكون، و ترانيمها تتردّد على الدوام في بواطنها، و قد أظهرها اللّه سبحانه و تعالى لداود عليه السّلام، كما في الحصاة التي كانت تسبّح اللّه و هي في يد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
و تواصل الآية التالية استعراض نعم اللّه على داود عليه السّلام، قال تعالى: وَ شَدَدْنا مُلْكَهُ أي ثبّتنا و أحكمنا مملكته، بحيث كان العصاة و الطغاة من أعدائه يحسبون لمملكته ألف حساب لقوّتها.
و إضافة إلى هذا فقد آتيناه الحكمة و العلم و المعرفة وَ آتَيْناهُ الْحِكْمَةَ الحكمة التي يقول بشأنها القرآن المجيد وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً.
(الحكمة) هنا تعني العلم و المعرفة و حسن تدبير امور البلاد، أو مقام النبوّة، أو جميعها.
و قد تكون «الحكمة» أحيانا ذات جانب علمي و يعبّر عنها ب «المعارف العالية»، و اخرى لها جانب عملي و يعبّر عنها (بالأخلاق و العمل الصالح) و قد كان لداود في جميعها باع طويل.
و آخر نعمة إلهيّة أنعمت على داود هي تمكّنه من القضاء و الحكم بصورة صحيحة و عادلة وَ فَصْلَ الْخِطابِ.
و قد استخدمت عبارة (فصل الخطاب) لأنّ كلمة «الخطاب» تعني أقوال طرفي النزاع، أمّا (فصل) فإنّها تعني القطع و الفصل.
و كما هو معروف فإنّ أقوال طرفي النزاع لا تقطع إلّا إذا حكم بينهم بالعدل، و لهذا فإنّ العبارة هذه تعني قضائه بالعدل.