الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤١٠ - ٣- دروس و عبر كبيرة في قصص صغيرة
٣- دروس و عبر كبيرة في قصص صغيرة:
و كما نعرف، فإنّ استعراض القرآن لهذه القصص يهدف إلى تربية الإنسان، لأنّ القرآن ليس كتاب قصص و إنّما هو كتاب هدفه بناء الإنسان و تربيته.
من هذه القصّة العجيبة يمكن استخلاص الكثير من المواعظ و العبر:
أ- ترك النّبي للعمل بالأولى يعدّ أمرا مهمّا عند اللّه، و يؤدّي إلى مجازاة ذلك النبي، لأنّ مرتبة الأنبياء عالية جدّا، و أبسط غفلة منهم تعادل ذنبا كبيرا يرتكبه عوام الناس، و لهذا السبب أطلق اللّه سبحانه و تعالى تسمية (الآبق) على عبده يونس في هذه الآية، و التي تعني العبد الهارب.
و قد ورد في بعض الروايات أنّ ركّاب السفينة كانوا يقولون: هناك شخص عاص بيننا! و عاقبة الأمر أنّ الباري عزّ و جلّ ابتلاه بسجن رهيب، ثمّ أنقذه منه بعد أن تاب و عاد إلى اللّه، و كان منهار القوى مريضا.
ذلك ليعرف الجميع أنّ التواني غير مقبول من أي أحد، فعظمة مرتبة أنبياء و أولياء اللّه إنّما يحصلون عليها من طاعتهم الخالصة لأوامر اللّه سبحانه و تعالى، و إلّا فاللّه لا تربطه صلة قربى مع أي أحد، و إنّ الموقف الحازم الذي اتّخذه اللّه تجاه عبده يونس يوضّح عظمة مرتبة هذا النّبي الكبير.
ب- أحداث هذه القصّة (و خاصّة ما ورد في الآية (٨٧) من سورة الأنبياء) كشفت عن سبيل نجاة المؤمنين من الغمّ و الحزن و الابتلاءات و المشاكل، و هو نفس السبيل الذي انتهجه يونس، و هو اعترافه بخطئه أمام اللّه و تسبيحه اللّه و تنزيهه و العودة إليه.
ج- هذه القصّة توضّح كيف أنّ قوما مذنبين مستحقّين للعذاب يستطيعون في آخر اللحظات تغيير مسيرتهم التأريخية، بعودتهم إلى أحضان الرحمة الإلهيّة، و إنقاذ أنفسهم من العذاب، و هذا مشروط بالصحوة من غفلتهم قبل فوات الأوان،