الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٨٣ - النعم التي منّ بها اللّه على موسى و هارون
مرّة اخرى استخدم في هذه الآيات أسلوب (الإجمال و التفصيل) الأسلوب الذي استخدمه القرآن في نقل العديد من الحوادث.
الآية الاولى تشير إلى قوله تعالى: وَ لَقَدْ مَنَنَّا عَلى مُوسى وَ هارُونَ.
«المنّة» في الأصل من «المنّ» و يعني الحجر الذي يستعمل للوزن، ثمّ أطلق على النعم الكبيرة و الثقيلة، فلو كانت لها جنبة عملية و موضوعية فالمنّة جميلة و محمودة، و لو اقتصرت على اللفظ و الكلام فهي سلبية و مذمومة، و الغالب إنّها تستعمل في المحاورات العرفية بالمعنى الثاني، و هذا هو السبب في تداعي المفهوم السلبي من هذه الآيات الكريمة، و لكن لا بدّ من القول انّ هذه المفردة وردت في اللغة و الآيات الكريمة بمعناها الواسع الذي يشمل المفهوم الأوّل منها.
(أي منع النعم و المواهب الكبيرة).
و على كلّ حال فانّ اللّه سبحانه و تعالى أنعم على الأخوين موسى و هارون بنعمة عظيمة.
أمّا الآيات التي تلتها فتشرح سبعة من هذه النعم، و كلّ واحدة منها أفضل من أختها.
ففي المرحلة الاولى، يقول سبحانه و تعالى: وَ نَجَّيْناهُما وَ قَوْمَهُما مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ.
فهل هناك قلق أكثر من هذا، و هو أنّ بني إسرائيل يعيشون في قبضة الفراعنة المتجبّرين الطغاة؟ يذبحون أولادهم و يسخّرون نساءهم في خدمتهم، و يستعبدون رجالهم و يستعملونهم في الأعمال الشاقّة.
أليس فقدان الحرية و الابتلاء بسلطان جائر لا يرحم الكبير و لا الصغير، حتّى يبلغ به طغيانه إلى أن يتلاعب بنواميس الناس و شرفهم، أليس هذا كربا عظيما، و ألما شديدا، إذن فإنقاذهم من قبضة فراعنة مصر المتجبّرين، كانت أوّل نعمة يغدقها الباري عزّ و جلّ على بني إسرائيل.