الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٦٥ - إبراهيم عند المذبح
إسماعيل لوالده:
يا أبت، أحكم من شدّ الحبل كي لا تتحرّك يدي و رجلي أثناء تنفيذك الأمر الإلهي، أخاف أن يقلّل ذلك من مقدار الجزاء الذي سأناله.
والدي العزيز اشحذ السكّين جيّدا، و امرره بسرعة على رقبتي كي يكون تحمّل ألم الذبح سهلا بالنسبة لي و لك.
والدي قبل ذبحي اخلع ثوبي من على جسدي كي لا يتلوّث بالدم، لأنّي أخاف أن تراه والدتي و تفقد عنان صبرها.
ثمّ أضاف: أوصل سلامي إلى والدتي، و إن لم يكن هناك مانع أوصل ثوبي إليها كي يسلّي خواطرها و يهدّئ من آلامها، لأنّها ستشمّ رائحة ابنها منه، و كلّما أحسّت بضيق القلب، تضعه على صدرها ليخفّف الحرقة الموجودة في أعماقها.
قربت اللحظات الحسّاسة، فالأمر الإلهي يجب أن ينفّذ، فعند ما رأى إبراهيم عليه السّلام درجة استسلام ولده للأمر الإلهي احتضنه و قبّل وجهه، و في هذه اللحظة بكى الاثنان، البكاء الذي يبرز العواطف الإنسانية و مقدّمة الشوق للقاء اللّه.
القرآن الكريم يوضّح هذا الأمر في جملة قصيرة و لكنّها مليئة بالمعاني، فيقول تعالى: فَلَمَّا أَسْلَما وَ تَلَّهُ لِلْجَبِينِ [١].
مرّة اخرى تطرّق القرآن هنا باختصار، كي يسمح للقارئ متابعة هذه القصّة بانشداد كبير.
قال البعض: إنّ المراد من عبارة تَلَّهُ لِلْجَبِينِ هو أنّه وضع جبين ولده- طبقا لاقتراحه- على الأرض، حتّى لا تقع عيناه على وجه ابنه فتهيج عنده عاطفة الابوّة و تمنعه من تنفيذ الأمر الإلهي.
[١]- (تلّه) من مادّة (تلّ) و تعني في الأصل المكان المرتفع، و (تلّه للجبين) تعني أنّه وضع أحد جوانب وجه ابنه على مكان مرتفع من الأرض.
(جبين) تعني أحد جانبي الجبهة أو الوجه، و طرفي الوجه أو الجبهة يقال لهما (جبينان).