الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٤٠ - مقتطفات من قصّة نوح
يفتخر به في العالمين سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ.
نعم، فهل هناك فخر أكبر من هذا، و هو أنّ اللّه يبعث بالسلام و التحيّات لنبيّه نوح، السلام الذي سيبقى يهدى إليه من قبل الأمم الإنسانية لحين قيام الساعة، و الملفت للنظر أنّه من النادر أن يوجد في القرآن سلام بهذه السعة على أحد، خاصّة و أنّ المراد بالعالمين جميعها لكونه جمعا محلّى بالألف و اللام (مفيدا للعموم) فيتّسع المعنى ليشمل عوالم البشر و أممهم و جماعاتهم إلى يوم القيامة و يتعدّاهم إلى عوالم الملائكة و الملكوتين.
و لكي تكون خصوصيات نوح عليه السّلام مصدر إشعاع للآخرين، أضاف القرآن الكريم إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. و إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ.
في الحقيقة، إنّ درجة عبودية نوح للّه و إيمانه به- إضافة إلى إحسانه و عمله الصالح الذي ذكرته الآيتان الأخيرتان- كانت السبب الرئيسي وراء اللطف الإلهي الذي شمل نوحا و أنقذه من الغمّ الكبير، و بعث إليه بالسلام، السلام الذي يمكن أن يشمل كلّ من عمل بما عمل به نوح، لأنّ معايير الألطاف الإلهيّة لا تتخلّف، و لا تختّص بشخص دون آخر.
أمّا الآية الأخيرة في بحثنا فقد وضّحت بعبارة قصيرة شديدة اللهجة مصير تلك الامّة الظالمة الشريرة الحاقدة ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ.
إذ انهمر المطر سيلا من السماء، و تفجّرت الأرض عيونا، و غطّت المياه اليابسة كبحر هائج دكّ بأمواجه المتلاطمة الشامخة عروش الطغاة و دمّرها، لافظا إيّاهم بعدئذ أجسادا هامدة لا حياة فيها و لا روح.
و الذي يلفت النظر أنّ اللّه سبحانه و تعالى استعرض ألطافه على نوح في عدّة آيات، فيما بيّن عذابه لقوم نوح العاصين في عبارة واحدة قصيرة يرافقها التحقير و عدم الاهتمام بهم، لأنّ حالة نصر المؤمنين و عزّتهم و تأييد الباري سبحانه لهم جديرة بالتوضيح، و بيان حال المعاندين و العاصين لا يجدر بالاهتمام و الاعتناء.